٢٠٢٦ أيار ١٠ _ 1447 ذو القعدة ٢٣ الأحد 5 سنابل تُُعتبر المنظمات غير الحكومية فـــــي الأردن الــــمــــحــــرك الـــحـــيـــوي للمجتمع المدني والذراع التنموي الـــمـــســـانـــد الـــــــذي يــضــطــلــع بــــدور محوري في ردم الفجوات الخدمية وتمكين الأفـراد، لا سيما الشباب، فهي ليست مجرد جهات مقدمة لـلـخـدمـة، بــل شـريـك استراتيجي يسعى لتحقيق استدامة شاملة وتـــوجـــيـــه الـــــمـــــوارد نـــحـــو الــفــئــات الأكثر احتياجا في مختلف مناطق المملكة. ومـــع ذلـــك، تــواجــه هـــذه الـرؤيـة التنموية تحديا جوهريا تفرضه لغة الأرقـام؛ إذ يبرز تمركز حاد للموارد في الحواضر الكبرى (عمان، إربد، %74.8 والـزرقـاء) التي تضم نحو %41.9 من السكان، بينما تتركز مـــن هــــذه الـنـسـبـة فـــي الـعـاصـمـة وحــدهــا. هـــذا الاخــــتلال الجغرافي يــعــمــق فـــجـــوة الــــوصــــول لــبــرامــج مليون 2.3 التمكين الموجهة لنحو شاب، م ّّا يضع المحافظات الأطراف أمام شح في الموارد رغم حاجتها الماسة. وتتجلى خــطــورة هـــذا الـتـفـاوت عند النظر فـي مـؤشـرات البطالة؛ فـبـيـنـمـا يــبــلــغ الـــمـــعـــدل الــوطــنــي %، يــرتــفــع فـــي مـحـافـظـات 21.4 ،%24.3 مثل المفرق ليصل إلى وبناء على بيانات دائرة الإحصاءات العامة وسجل الجمعيات بــوزارة ،٢٠٢٤ التنمية الاجتماعية عــام يصبح تحقيق «العدالة المكانية» ضــــرورة مـلـحـة لـمـواجـهـة مـركـزيـة الموارد وضمان توزيع مكتسبات التنمية بشكل عادل وشامل. ويرى الخبير في المنظمات غير الحكومية مـراد القاضي أن قـراءة هــذا الــواقــع تتطلب ربـطـه بالبنية الديموغرافية للشباب، إذ يشكل عــام ًًــا نحو 24 و 15 مــن هــم بـيـن 2.3 % من السكان بما يقارب 20 مـلـيـون شـــاب، وهـــي الـفـئـة الأكـثـر اسـتـهـدافًًــا مـن بـرامـج المنظمات غير الحكومية من حيث التدريب والتمكين والمشاركة المجتمعية، إلا أن فــــرص الــــوصــــول إلــــى هــذه الــبــرامــج لا تـــتـــوزع بــالــتــســاوي، إذ تبقى أكثر كثافة في المركز مقارنة بالمحافظات الأقـل حظًًا، خصوص ًًا في الجنوب والبادية. ويضيف أن هذا التفاوت يتقاطع مع مؤشرات سوق العمل، حيث بــلــغ مـــعـــدل الــبــطــالــة فـــي الأردن ، مع تسجيل 2024 % عـام 21.4 فــــروقــــات جـــغـــرافـــيـــة واضــــحــــة، إذ وصــــلــــت فــــي مـــحـــافـــظـــة الـــمـــفـــرق % في 18.5 % مـقـابـل 24.3 إلـــى العقبة، م ّّا يعكس أن المحافظات الـتـي تعاني مـن ضغط اقتصادي أعـــلـــى هــــي الأقــــــل اســـتـــفـــادة مـن الـــتـــدخلات الـتـنـمـويـة الممنهجة، وهــو مـا يخلق فـجـوة بين الحاجة الفعلية وتوزيع البرامج. مركزية القرار والتمويل ويقول مدير مركز نحن ننهض للتنمية المستدامة في إربد عامر أبـــو دلـــو إن واقـــع الـعـمـل المدني فــــي الـــمـــحـــافـــظـــات مــــا يــــــزال أقـــل حـظ ًًــا مــن حـيـث الــفــرص والــمــوارد مـــقـــارنـــة بــالــعــاصــمــة، رغــــم وجـــود طـــاقـــات شـبـابـيـة كــبــيــرة، مـشـيـرًًا إلى أن هذا الفارق يرتبط بضرورة تــعــزيــز الــــتــــدخلات الــمــوجــهــة نحو الــمــحــافــظــات لـتـحـقـيـق قــــدر أكـبـر من الـتـوازن التنموي بين المركز والأطراف. ويــــوضــــح أن تــنــفــيــذ الـــبـــرامـــج خـــــارج الـــمـــركـــز يـــواجـــه مـجـمـوعـة مــن الـتـحـديـات، أبــرزهــا مـحـدوديـة الــــمــــوارد وصــعــوبــة الـــوصـــول إلــى بعض المناطق، إلى جانب تفاوت مستويات المشاركة والوعي بين الــشــبــاب، خـصـوص ًًــا فــي المناطق الــطــرفــيــة، وهـــو مـــا يـنـعـكـس على طبيعة الاستجابة للبرامج ومدى فاعليتها. ويبين أبــو دلــو أن التمويل قد يـؤثـر جـزئـيًًــا على اخـتـيـار المناطق الـــجـــغـــرافـــيـــة لـــلـــمـــشـــاريـــع، إلا أن عـمـل الــمــركــز يـعـتـمـد عـلـى دلـيـل الاحتياجات التنموية للشباب في مـحـافـظـة إربــــد الــــذي يـتـم تحديثه سنويًًا، حيث تُُبنى عليه أولويات الـتـدخـل لـضـمـان تــوافــق الـبـرامـج مع الاحتياجات الفعلية وليس مع اعتبارات التمويل فقط. ويشير إلى وجود فجوة واضحة بـيـن الـعـاصـمـة والـمـحـافـظـات من حـــيـــث فـــــرص الــــتــــدريــــب الــنــوعــي والـــوصـــول إلـــى الـشـبـكـات وصـنـاع الــقــرار، لافـتًًــا إلــى أن هــذا التفاوت يـمـثـل أحــــد أبــــرز الــتــحــديــات الـتـي يحاول المركز معالجتها من خلال توسيع تدخلاته في المحافظات. ويضيف أن تعزيز الـتـوازن في الـــعـــمـــل الـــمـــدنـــي يــتــطــلــب إعـــــادة تــــوزيــــع أكــــثــــر عــــدالــــة لــلــتــمــويــل، وتـمـكـيـن الــمــؤســســات المحلية، وربـــــــط الــــمــــشــــاريــــع بـــاحـــتـــيـــاجـــات حقيقية قائمة على دراسات وأدلة ميدانية، بما يضمن انتقال العمل من التدخل العام إلـى الاستجابة المباشرة للواقع المحلي. وفيما يتعلق بتحديد موضوعات الـــبـــرامـــج الـــتـــدريـــبـــيـــة، يـــوضـــح أن ذلـــك يـتـم مــن قـبـل فــريــق الـمـركـز بالتنسيق مــع خــبــراء مختصين، وبناء على نتائج دليل الاحتياجات وأولويات الشباب في المحافظة، ما يضمن ارتباط المحتوى بالسياق المحلي. مـــــن جــــانــــبــــه، يــــؤكــــد الـــنـــاشـــط الشبابي في محافظة إربـد أسامة خطايبة وجــود فجوة واضـحـة بين الـــعـــاصـــمـــة وبــــاقــــي الــمــحــافــظــات مــن حـيـث تـوفـر الــفــرص وسهولة الـوصـول إليها، إذ تتركز الأنشطة والبرامج بشكل أكبر في المركز، بينما تقل في المناطق البعيدة، ما يحد من مشاركة الشباب على نطاق أوسع، مبينا أن هذا التفاوت شـكّّــل حـافـزًًا لـه للعمل على نقل الـــفـــرص خــــارج الــمــركــز ومــحــاولــة تـقـلـيـص الــفــجــوة الـجـغـرافـيـة من خلال مبادرات شبابية مستقلة. ويــشــيــر الـــقـــاضـــي إلــــى أن هــذا النمط يرتبط ببنية عمل المنظمات نفسها، إذ تتركز غالبًًا في العاصمة نظر ًًا لقربها من الوزارات والمانحين والبنية التحتية وشبكات التمويل، إضــــافــــة إلــــــى ســـهـــولـــة الــتــنــســيــق وانخفاض الكلفة التشغيلية. ويــؤكــد أن هـــذا الـتـمـركـز يصبح إشكاليًًا عندما يتحول مـن عامل إداري إلـــى إعــــادة إنــتــاج لمركزية الــــقــــرار والــــــمــــــوارد، بــحــيــث تـبـقـى المحافظات مواقع تنفيذ بـدل أن تـكـون مـراكـز فاعلة فـي التخطيط وصناعة القرار التنموي. هل ننتج تنمية مستدامة أم تقارير إنجاز؟ يـعـتـقـد الــنــاشــط الـشـبـابـي زيـد الــفــاعــوري أن مــخــرجــات الـبـرامـج الــــتــــي تـــنـــفـــذهـــا الـــمـــنـــظـــمـــات غـيـر الـــحـــكـــومـــيـــة لا يـــمـــكـــن تـعـمـيـمـهـا بـوصـفـهـا مـــجـــرد أرقــــــام أو أدوات شكلية لتغيير الوعي، معتبرًًا أنها في كثير من الـحـالات تقدم نتائج أفــضــل مـــن بــعــض الـــمـــبـــادرات أو الدورات الحكومية. ويشير إلى أن بعض المنظمات بــاتــت تـصـمـم بـرامـجـهـا بــنــاء على مــتــطــلــبــات الـــتـــمـــويـــل والـــجـــهـــات الداعمة من حيث المدة الزمنية والمناطق والأهـداف، م ّّا يؤدي في بعض الحالات إلى تنفيذ مشاريع قصيرة الأمــد تُُغلق بتقارير إنجاز دون الوصول إلى حلول مستدامة، لافـتـا إلــى أن الاهـتـمـام يتركز على عدد الجلسات وورش العمل وعدد المستفيدين أكثر من عمق الأثر، رغم وجود منظمات تحاول تحقيق تــــــوازن بــيــن مــتــطــلــبــات الــمــمــول واحتياجات المجتمع. ويــرى الفاعوري أن هـذا النمط يـجـعـل بـعـض الــبــرامــج أقــــرب إلـى إدارة مــشــاريــع مــمــولــة مــنــه إلــى تدخلات تنموية مستمرة، موضح ًًا أن جزء ًًا من المنظمات يضع إرضاء الممول في مقدمة أولوياته، بينما تـسـعـى أخــــرى إلـــى الــمــوازنــة بين الـتـمـويـل وتـحـقـيـق أثـــر مجتمعي فعلي. الرقابة والبيئة التشريعية والشفافية يقول المحامي راغب شريم إن القانون الأردني يُُعرّّف الرقابة على الجمعيات بوصفها نظامًًا مزدوجًًا يجمع بين الرقابة السابقة واللاحقة، مشيرًًا إلى أن التشريعات الحالية تُُــلــزم الـجـمـعـيـات بـالـحـصـول على مـوافـقـات مسبقة قبل تنفيذ أي نشاط أو مشروع. ويوضح شريم أنه عملية قبول أي تمويل، بما فـي ذلـك التمويل الأجــــنــــبــــي الــــــــذي يـــتـــطـــلـــب، وفـــق الإجـراءات المعمول بها، وموافقة مــجــلــس الــــــــــوزراء، وهـــــي عـمـلـيـة بيروقراطية قد تمتد من شهرين إلـى ثلاثــة أشـهـر، م ّّــا ينعكس على قــــدرة الـجـمـعـيـات فــي الاسـتـجـابـة السريعة للاحتياجات المجتمعية. ويــضــيــف أن الـــرقـــابـــة اللاحـــقـــة ت ُُمارس عبر دائرة سجل الجمعيات التابعة لوزارة التنمية الاجتماعية، إذ تُُلزم الجمعيات بتقديم تقارير سـنـويـة تفصيلية تشمل مـصـادر الـــتـــمـــويـــل، وطــبــيــعــة الــمــشــاريــع، والـــفـــئـــات الــمــســتــهــدفــة، وأعـــــداد المستفيدين، إضافة إلى توصيف الأنــشــطــة الــمــنــفــذة، ســــواء كـانـت تدريبية أو مجتمعية أو غيرها. ويبين أن الرقابة تمتد بحسب طبيعة عمل الجمعية، إلى جهات إشـــرافـــيـــة أخـــــرى، إذ تــتــابــع وزارة الزراعة الجمعيات الزراعية، فيما تشرف وزارة الـشـؤون السياسية والبرلمانية على الجمعيات ذات الطابع السياسي. ويؤكد شريم أن النقاش حول ا ًا كفاية هذه الصلاحيات يفتح جدل حول حـدود الاستقلالية، لافتًًا إلى أن اشـــتـــراط الـمـوافـقـة المسبقة على التمويل والنشاطات قد يحد مـــن مـــرونـــة الــعــمــل الأهــــلــــي، لأن رفـــض الـتـمـويـل أو تــأخــيــره يعني عمليًًا تعطيل قدرة الجمعية على التنفيذ. ويـعـتـبـر أن هـــذا الـــواقـــع يـعـزز، مــن وجــهــة نـظـر قـانـونـيـة، الـحـاجـة إلــى التحول نحو نـمـوذج “الرقابة الـــبـــعـــديـــة”، بــحــيــث يــقــتــصــر دور الجمعيات على الإبلاغ عن التمويل والـــنـــشـــاطـــات، مـــع تــقــديــم تـقـاريـر لاحقة للجهات الرسمية، خاصة في ظل وجود أدوات رقابية وعقوبات ا ًا. مالية وإدارية قائمة أصل ويـــشـــيـــر إلـــــى وجــــــود إشــكــالــيــة إضافية تتعلق بمفهوم “الأولويات الـــوطـــنـــيـــة” الــمــســتــخــدم كـمـعـيـار للموافقة على التمويل الأجنبي، موضح ًًا أن هـذا المفهوم لا يملك تـعـريـف ًًــا قـانـونـيًًــا مـــحـــدد ًًا، م ّّـــا يفتح الــمــجــال لــــتــــأويلات قـــد تــؤثــر على بـــعـــض الــــمــــشــــاريــــع، وأن الإطــــــار الــقــانــونــي لا يـمـيـز بـيـن الـعـاصـمـة والمحافظات من حيث الإجراءات، إذ تخضع جميع الجمعيات لنفس شروط التسجيل والموافقة وفيما يتعلق بالشفافية المالية، يـبـيـن شــريــم أن الــقــانــون لا يُُــلـزم الجمعيات بنشر تقاريرها المالية لــلــعــامــة، إذ تـبـقـى هــــذه الـتـقـاريـر مـحـصـورة بـيـن الـجـمـعـيـة وسجل الـجـمـعـيـات، رغـــم أن نـشـرهـا يُُعد مؤشرًًا مهم ًًا على الحوكمة، إلا أن غياب الإلــزام القانوني يجعل هذا السلوك محدود ًًا بين الجمعيات. تجربة المستفيدين يـقـول مـديـر مـركـز نحن ننهض للتنمية المستدامة في إربد عامر أبـو دلـو إلـى أن عـدد المستفيدين ألف 15 من مشاريع المركز تجاوز مستفيد بشكل مباشر، وأكثر من ألــــف مـسـتـفـيـد بـشـكـل غير 130 مباشر، مع التركيز الأساسي على مـحـافـظـة إربــــد إلــــى جــانــب تنفيذ بعض الـمـشـاريـع على المستوى الوطني. وبما يخص تقييم الأثر، يوضح أن المركز يعتمد على أدوات متعددة تشمل التقييم القبلي والبعدي، وقــــيــــاس الـــتـــغـــيـــر فــــي الــمــعــرفــة والمهارات، إضافة إلى تتبع قصص الـنـجـاح والـــمـــبـــادرات الـنـاتـجـة عن الـمـشـاريـع، إلـــى جـانـب مـؤشـرات كــمــيــة مــثــل عــــدد الـمـسـتـفـيـديـن ونطاق الوصول، ومؤشرات نوعية تتعلق بتغير الـسـلـوك ومستوى التمكين، مـع ربــط النتائج بدليل الاحتياجات التنموية لقياس مدى الاستجابة الفعلية. ويشير إلى وجود توجه للتوسع على المستوى الـوطـنـي، موضحًًا أن الـــمـــركـــز يـنـفـذ بــالــفــعــل بعض الــمــشــاريــع خــــارج مـحـافـظـة إربـــد، مـع خطة للتوسع الـتـدريـجـي إلى محافظات أخرى، مع الحفاظ على نـهـج يـقـوم عـلـى فـهـم الاحـتـيـاجـات المحلية لكل منطقة قبل تنفيذ أي تدخل. ومــــــن جـــهـــتـــه، يــــؤكــــد الـــنـــاشـــط الـــشـــبـــابـــي أســـــامـــــة خـــطـــايـــبـــة أن تـجـربـتـه مـــع مـنـظـمـات المجتمع الـمـدنـي شكلت محطة مفصلية فـــي مـسـيـرتـه، إذ أتــــاح لـــه العمل التطوعي مع جهات متعددة تطوير مــــهــــاراتــــه فــــي مــــجــــالات الــشــبــاب والتوعية، إلا أن البداية كانت صعبة نـتـيـجـة مـــحـــدوديـــة الــــوصــــول إلــى المعلومات ووجود شعور باحتكار بـعـض الــفــرص، م ّّـــا جـعـل الـدخـول إلـى هـذا المجال أكثر تعقيدًًا في مراحله الأولى. ويؤكد أن الإصرار مك ّّنه لاحق ًًا من تجاوز هذه التحديات والانخراط في مسارات قيادية متعددة، إذ يعمل اليوم مدرب ًًا لريادة الأعمال الرقمية مـع هيئة أجـيـال الــــسلام، ومثقفًًا صـــحـــيًًـــا فــــي مـــؤســـســـة الــحــســيــن لـلـسـرطـان، وعــضــوًًا فـي المجلس الـشـبـابـي الاســـتـــشـــاري للجمعية الملكية للتوعية الصحية. ويــــعــــتــــبــــر خــــطــــايــــبــــة أن هــــذه التحديات كانت الدافع وراء إطلاق مبادرة “جرعة تطوع” عبر منصة إنـــســـتـــجـــرام، بــاعــتــبــارهــا مـسـاحـة تهدف إلى تسهيل وصول الشباب إلـــى الــفــرص الـتـطـوعـيـة مــن خلال جمع ونشر المعلومات والروابط التمكينية، مشيرًًا إلـى أن الفكرة جـاءت استجابة مباشرة لصعوبة الوصول التي واجهها في بداياته، وتـحـولـت إلــى أداة لـدعـم الآخـريـن في تخطي العوائق نفسها. ويــبــيــن أن مــســيــرتــه لـــم تـخـل مــــن تـــحـــديـــات مـــتـــعـــددة، أبـــرزهـــا صـعـوبـة تـحـديـد الــمــســار المهني في ظل تعدد الاهتمامات، وضغط الــتــوازن بين الــدراســة الأكاديمية والالــــــتــــــزامــــــات الــــتــــدريــــبــــيــــة، إلـــى جانب تحديات لوجستية ومادية مرتبطة بـالـمـواصلات، معتبرا أن هـذه التجارب كانت دافعًًا لإطلاق حملة “مسار آمن” بهدف تحسين الـــوصـــول إلــــى وســـائـــل نــقــل أكـثـر استدامة للشباب. وفــــــــي ســـــيـــــاق مــــتــــصــــل، يــــرى الـنـاشـط الـشـبـابـي زيـــد الـفـاعـوري أن وجـود رقابة خارجية على عمل هذه المنظمات تدفعها أحيانًًا إلى تحسين أدائـهـا أو تعديل كوادرها عند رصـد أي خلل، في حين تُُنفذ بـعـض الــبــرامــج الـحـكـومـيـة ضمن أطـر عامة دون التعمق فـي إنتاج مخرجات عملية قابلة للاستدامة. ويعتبر أن مفهوم “التمكين” في سياق عمل المنظمات يرتبط غالبًًا بإتاحة الفرصة أمام الشباب للمشاركة المستمرة في البرامج المحلية والـخـارجـيـة، مـشـيـرًًا إلى أن هـــذا الـتـمـكـيـن يـعـتـمـد بـدرجـة كــبــيــرة عــلــى قــــدرة الــشــبــاب على إثبات أنفسهم واستثمار الفرص المتاحة، أكثر من كونه مسؤولية مباشرة على المنظمات وحدها، خصوص ًًا في ظل وجـود سياسات حكومية داعمة للشباب تتيح لهم مـــســـارات لـلـمـشـاركـة الـسـيـاسـيـة والمجتمعية. ويضيف الفاعوري أن المنظمات تمنح عادة مساحة واسعة للتعبير والـــمـــشـــاركـــة دون فــــرض قــوالــب جـاهـزة على الشباب، على عكس بعض الـبـرامـج الرسمية التي قد تكون أكثر ارتباط ًًا بأطر محددة أو سقف واضـح للمشاركة، م ّّا يخلق اختلاف ًًا في تجربة الشباب بين بيئة مرنة داخل المنظمات وأخرى أكثر تنظيم ًًا في البرامج الحكومية. ويــعــتــبــر أن الـــحـــديـــث عــــن أثـــر الـمـنـظـمـات قــد يـشـهـد فــي بعض الحالات نوع ًًا من المبالغة المرتبطة برغبة هذه المؤسسات في إثبات حضورها ضمن بيئة تنافسية، إلا أن ذلك لا ينفي وجود أثر فعلي، بل يعكس تـفـاوتًًــا بين حجم التغيير الـم ُُــعـلـن عـنـه والـتـغـيـيـر الحقيقي عـــلـــى الأرض، بـــحـــســـب طـبـيـعـة المشاريع والجهات الممولة لها. ويــــعــــتــــقــــد أن ثــــقــــة الـــشـــبـــاب بـــالـــمـــنـــظـــمـــات غــــيــــر الـــحـــكـــومـــيـــة ليست ثـابـتـة، بــل تتغير بحسب التجربة الفردية، إذ يكتسب بعض الشباب ثقة عالية نتيجة الفائدة الـتـي حصلوا عليها على مستوى الــمــعــرفــة أو الـــخـــبـــرة أو الــفــرص الـمـهـنـيـة، فـــي حـيـن تــتــراجــع هـذه الثقة لــدى آخـريـن بسبب ارتـبـاط بعض البرامج بتمويلات خارجية قد تتغير أو تتوقف مع التحولات السياسية والاقتصادية. العدالة التنموية ويلفت الخبير مراد القاضي إلى أن بيانات وزارة التنمية الاجتماعية تعكس جـانـبًًــا مــن هـــذا المشهد، حيث قـدمـت الــــوزارة دعـم ًًــا نقديًًا جمعية خيرية خلال 215 مباشر ًًا لـ طلب ًًا 388 ، ونظرت في 2024 عام لمشاريع تنموية مختلفة، فيما جمعية خلال عـام 136 حصلت على تــمــويلات بلغت نحو 2025 214 مــلــيــون ديـــنـــار لـتـنـفـيـذ 26 مشروعًًا، بمتوسط تمويل يقارب ألــف ديـنـار لكل مـشـروع، 121.4 وهو ما يطرح تساؤلا جوهريًًا حول الـتـوزيـع الـجـغـرافـي الفعلي لهذه الموارد وأثرها خارج المركز. ويـــرى الـقـاضـي أن الإشـكـالـيـة لا تكمن فـي حجم التمويل، بـل في مــســار تــوزيــعــه وآلـــيـــات تـوجـيـهـه، إذ إن اسـتـمـرار تــركّّــزه فـي المركز دون بيانات شفافة ومفصلة حول مــوقــع التنفيذ يــحــد مــن إمكانية قياس العدالة المكانية أو مساءلة أثــر هــذه الـمـشـاريـع، خصوص ًًا في ظـل غـيـاب مــؤشــرات علنية تربط بين التمويل والاحـتـيـاج التنموي الفعلي في المحافظات. ويعتبر القاضي أن المنظمات غير الحكومية قادرة على لعب دور تصحيحي في هذا الخلل إذا أعادت هندسة تدخلاتها، من خلال توسيع وجودها في المحافظات، وتمكين الــجــمــعــيــات الــمــحــلــيــة، وإشـــــراك الـــشـــبـــاب فـــي مـــراحـــل الـتـصـمـيـم والـــتـــنـــفـــيـــذ، واعــــتــــمــــاد مـــؤشـــرات واضحة تربط التمويل بمستويات الفقر والبطالة وبعد المناطق عن الــمــركــز وضــعــف الـــخـــدمـــات، بــدل الاعتماد فقط على سهولة الوصول أو الجاهزية المؤسسية. ويؤكد أن العدالة التنموية لا تتحقق بزيادة عـــدد الــمــشــاريــع خــــارج الـعـاصـمـة فــقــط، بـــل بـنـقـل جــــزء مـــن الــقــرار والـــتـــمـــويـــل والـــــقـــــدرة الـتـنـفـيـذيـة إلــى المحافظات، بما يحوّّلها من ســـاحـــات تـنـفـيـذ إلـــى مـــراكـــز إنـتـاج لـلـقـرار الـتـنـمـوي، مـشـيـرًًا إلـــى أن استمرار مركزية الموارد والفرص يعيد إنتاج الفجوة بدل معالجتها، حــــتــــى وإن تــــــعــــــددت الــــبــــرامــــج وتوسعت التدخلات. فـيـمـا يــعــدد الــنــاشــط الـشـبـابـي أســـامـــة خـطـايـبـة أبـــــرز الـتـحـديـات الـتـي تـواجـه الشباب الـتـي تتمثل فـيـه غـيـاب الإرشــــاد والـتـوجـيـه في المراحل الأولى، إضافة إلى ضعف الــتــمــويــل الـــشـــفـــاف لـــلـــمـــبـــادرات، مشيرًًا إلـى ضــرورة تعزيز الرقابة على آليات توزيع الدعم والفرص لـضـمـان الـعـدالـة والــحــد مــن تأثير العلاقات الشخصية أو المحسوبية في هذا المجال. ويـؤكـد أن الانـتـقـال نحو تمكين شـــبـــابـــي حــقــيــقــي يــتــطــلــب تـــجـــاوز التمكين الرمزي إلى إشراك فعلي في مواقع صنع القرار، لافتا إلى أن توفير بيئة عادلة مدعومة برقابة واضحة يمكن أن يسهم في إطلاق طاقات الشباب وتحقيق أثر تنموي أكـــثـــر اســـتـــدامـــة عــلــى الـمـسـتـوى الوطني. بعد عقود من انتشارها.. هل حققت منظمات المجتمع المدني في الأردن نهضة تنموية فعلية؟ خبراء ونشطاء: فجوة في توزيع العدالة التنموية بين المركز والمحافظات ومركزية المنظمات وتذبذب فاعلية برامج المنظمات وإشكالات تشريعية ࣯ ج ود بطاينة � ي رموك- تالا القواسمة وروعة عبيدات وطيف إبداح وس � صحافة ال صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي
RkJQdWJsaXNoZXIy MzI3NjE0Mw==