Next Page  6 / 8 Previous Page
Information
Show Menu
Next Page 6 / 8 Previous Page
Page Background

صحافة اليرموك- عائشة عناني

لميلاد الإنسان الملك.. و الملك

ً

ثمانون عاما

الإنسانلافرقفيترتيبذلكطالماأنكليهمافي

وصف الحسين بن طلال رحمه الله، الأب والقائد

العسكري والسياسي المحنك، الجار والصاحب

والزوج، يعربي.. من سلالة بني هاشم، الذي لم

أمام

ً

ينتصر عليه السرطان بل استسلم راضخا

قوة روحه التي غلبته بصفائها وطهر عواطفها

أنه قد سلبه منا بعد أربعة

ً

الوطنية النبيلة، ظانا

من العطاء اللامتناهي المتجدد فينا

ً

وستين عاما

رغم تواري جسده لا روحه تحت الثرى.

تشرين الثانيمرتذكرى

١٤

بالأمس، السبت

ميلاد الملك الراحل الحسين بن طلال،الذي بنى

الأردن وصنع منه كيانا يعربيا هاشميا.

القائد .. القريب

تنكر المغفور له في يوم من الأيام، وركب مع

سائق مركبة عمومية –التاكسي- وبدأ يتحدث

له بصفة معارض للملك الحسين، إلا أن السائق

أمسك بلحية (المعارض) جلالته دون أن يعرفه

قائلا : والله لو ما أنا خايف ارتكب فيك جرم غير

طخيتك، كيف بتسمح لحالك تحكي عن ملكنا.»

فقال له جلالته : أنا حسين يا رجل، شوي

شوي .

أما زهراب، المصور الشخصي لجلالته يروي

عن

ً

في إحدى مقابلاته لصحيفة الغد قصصا

المغفور له قائلا

أصاب طائرة الملك الراحل عطل قبل إقلاعها

من العقبة، وتم أثناء ذلك إحضار طائرة عسكرية،

غير أنها لم تعمل كذلك، فقام الحرس بطلب

جلب طائرة من عمان، لكن جلالته فضل العودة

إلى عمان بالسيارة.

بيد أن السيارات، لم تكن معبأة بالبنزين

الكافي حتى تصل إلى عمان، وشعر السائقون

بالإحراج والخجل، واستمر الموكب الملكي بالسير

وكان الظلام قد حل، وإذ بعدد من السيارات

تتوقف بسبب انتهاء البنزين فركب بعضالركاب

في سيارة الملك، ولدى وصول الموكب الى أقرب

محطة محروقات نزل جلالته من السيارة، وباغت

عامل المحطة الذي كان نائما، حيث تفاجأ برؤية

جلالته يقوم بتعبئة البنزين بنفسه ليركضنحوه

ويحتضنه، وقمت حينها بأخذ لقطة تذكارية

لذلك الحدث المدهش.

السياسي ليث شبيلات كشف في صفحته

على موقع التواصل الاجتماعي الفيسبوك عن

ارة الملك الحسين لمنزله قبل خروجه من

زي

، والتقى جلالة المغفور له

١٩٩٦

السجن عام

والدة شبيلات، وهنا يقول شبيلا فيما نشره على

صفحته:

كنت

١٩٩٦

في مثل هذه الأيام من عام

في السجن وقام الملك الراحل الحسين رحمه الله

بزيارة لوالدتي الحاجة فريدة القطب في منزلها

في جبل عمان لمدة تقرب من الساعة، وقال لها

فيما قال: انا مثل أحد أبنائك، هل لك من أيطلب

: لا شيء سوى

ً

أجيبه، فقالت له كما حدثتني لاحقا

أن تكون بصحة وعافية، فكرر عليها عدة مرات:

ألا من طلب تطلبينه؟ فقالت لي: لقد استحييت

من تكراره فقلت بلى، فقال: أؤمري، فقالت : أريد

ً

أن ترسل لي صورة بتوقيعك. فقال لها مشيرا

إلى الطاولة: ها هي صورتي عندك واهدائي

مدون عليها . فارتبكت ثم استدركت قائلة: هذه

صورتك و انت مفرع، أريد صورة لك بالشماغ،

أتدري ابعث لي ألبوم صور.»

وقام جلالته بإرسال الصورة التي طلبت لها،

وأخرج ليث شبيلات بعد سبعة أشهر من السجن

لها: ها قد جئناك به.

ً

وأوصله للمنزل قائلا

«سيقتلونكم يا صاحب الجلالة»

الحسين يتحدث عن فترة الفوران الناصري

ومحاولات الانقلاب العسكري

1960-1955

الناصري في الأردن بقيادة الضابطين علي أبو

نوار وعلي الحياري:

«كانت الساعة قد قاربت السابعة، ولم يكن

منذ أسبوع، كنت أشتغل

ً

قد غمض لي جفن فعلا

ليل نهار في مكتبي، دخل عندئذ علي أبو نوار

، بالغ

ً

وكان يبلغ من العمر أربعة وثلاثين عاما

، بقامة معتدلة وشارب فائق العناية،

ً

الأناقة دوما

لم استطع ان اكتم غيظي عندما رأيته، فأمرته

لكل ما بلغني من أنباء بعد

ً

كاملا

ً

أن يقدم شرحا

ظهر اليوم.

وعندما شرع في الكلام، قرع جرس الهاتف،

لعلي أبو نوار، في

ً

موجها

ً

كان نداء مستعجلا

الطرف الآخر من الخط، كان يقف ابن عمه معن-

قائد لواء الأميرة عالية، سمعته يتكلم بصوت

يخنقه الخوف، امتقع وجه علي أبو نوار، والفى

نظرة خفيفة نحوي، ثم صرخ في آلة الهاتف:

«امنعهم بربك، أوقفهم بأي ثمن، ماذا تصنع

المدفعية إذن؟ أين اللواء الحياري؟»

ميزت بوضوح تام معن من الطرف الآخر وهو

يضيف: «لا استطيع عمل أي شيء يعتقد أفراد

اللواء بأن الملك قد مات أو أنه سوف يموت في

هذه الليلة، لم يعد في وسع الضباط أن يسيطروا

عليهم، إنهم يتجهون نحو عمان ولن يستطيع

إنقاذ الموقف سوى وجود الملك بينهم،» نظر

علي إلي، فانتزعت منه الجهاز وصحت : سآتي .

وأضفت من أجل علي أبو نوار: « لا تغادر المكان

وقلت

ً

، ثم خرجت من المكتب راكضا

ً

سأعود حالا

للتلهوني رئيس الديوان : ابحث لي عن سيارة

بسرعة .

في الرواق قلت لمرافقي العسكريين، وكان

أحدهما ابن عمي زيد والآخر قائد حرسي الخاص

وقولا للقوات التي تتجه لعمان

ً

ورا

: اذهبا ف

بأنني سليم معافى واطلبا إليهم أن يعودوا إلى

معسكراتهم وسوف الحق بكما .

ارتديت بزتي العسكرية وعدت إلى مكتبي

وقلت لعلي أبو نوار: تعال ستذهب إلى الزرقاء.

وثبت إلى سيارتي بجاني وجلست بجانب

السائق، كان علي ابو نوار وخالي الشريف ناصر

يجلسان في المقعد الخلفي، انطلقت السيارة

اء تتبعها سيارة قائد الجيش

زرق

باتجاه ال

والمرافقين العسكريين، لا اعتقد أن غضبي قد

بلغ في حياتي من الحدة والشدة ما بلغته وقتئذ.

التقينا بشاحنة على جسر الرصيفة، توقفت

السيارتانوالشاحنة، كانتالشاحنة ملأى بالجنود

والمدنيين الذين كانوا يطلقون صيحات غاضبة

يلوحون ببنادقهم وعصيهم، قفزت خارج السيارة

فعرفوني، كان ذلك بالتأكيد إحدى اللحظات

الأشد إثارة لمشاعر النفسفي حياتي فقد فاضت

، كانت انفعالات

ً

عيناي بالدموع، تعانقنا طويلا

النفوس بالغة أقصاها، وكانوا يصرخون من كل

جانب « نحن في خدمتكم يا صاحب الجلالة» ، ثم

طلبت إليهم أن يعودوا إلى الشاحنة.

لم أشاهد في حياتي علي أبو نوار الذي كان

في الجانب المعتم من السيارة، لم يكن

ً

مختبئا

يريد أن يعرفه أحد، فقد استبد به الرعب والفزع،

«يا صاحب الجلالة، دعوني أعود إلى

ً

ورجاني قائلا

عمان» ، قلت لماذا؟ قال : «لقد سمعت تهديدات

بالقتل موجهة إلى شخصي، إنا لي أسرة وأولاد،

في هذه الليلة».

ً

فإذا ما تبعتكم فلن أكون حيا

فأمرت سائقي يإيقاف السيارة، كنت متقزز

، وقلت لعلي أبو نوار: اخرج

ً

مشمزا

ً

النفس، قرفانا

وعد إلى عمان وانتظرني في القصر .

وهكذا، وبدون القائد العام لجيشي، تابعت

سيري باتجاه المعسكر الذي وقع فيه التمرد، كنا

نلتقي بمزيد من الشاحنات ومزيد من الجنود

الماضين ومن المدنيين وكنا نسمع طلقات

النار التي كانت تشتد حدتها كلما اقتربنا من

مدينة الزرقاء، كان الطريق مسدودا بالحواجز

وقد عمد بعض الضباط المسلحين إلى تهديدنا

وتظاهروا بإطلاق النار لعدم تعرفهم بعد على

قائدهم الأعلى، خرجت من السيارة وخاطبتهم

: الحسين مليككم سليم معافى، إن حياتي

ً

قائلا

ملك لكم، كلشيء يسير على ما يرام، عودوا على

معسكراتكم وسوف ألتحق الآن بكم.

كان المشهد يتجاوز حدود الخيال، وقد انقضت

سنون على ذلك، ولكنني ما زلت اذكر كل دقيقة،

كل ثانية من هذه الليلة، كان بعض الجنود

يعتمرون الخوذات وكان بعضهم الآخر بلا اردية،

لقد صفق الجميع، أما سيارتي الشفرليه القديمة

المسكينة فقط تتقدم وهي تتمايل في سيرها،

ويهبط هيكلها كلما مرت على أية حصاة، كان

سقفها قد أصيب بالإعوجاج وكان الجنود الذين

تعلقوا على مراقيها يرفضون النزول، فعمد خالي

وهو من أبطال الرياضة ومن ذوي البنى المتينة

إلى تقويم إعوجاج سقفها بدقة من كتفه، وأنزلنا

هؤلاء الركاب المشعلين حماسة عندما دخلنا

لمرافقيي العسكريين

ً

إلى الزرقاء، لم أجد أثرا

إلا أنني أفقدتهما بعد بضع لحظات بالقرب

من مقر قيادة لواء الأميرة عالية، فقد أوقفهما

بعض العسكريين الذين كانوا يرفضون تصديق

إيضاحاتهما ويعتبرونهما من المتآمرين، كانا

مرتبكين بعض الشيء عندما كشفت مكانهما .

كانت بعض الشاحنات التي كانت تحترق هنا

وهناك و تعوق تقدمنا عبر المعسكر وبالتدريج

أعدت ترتيب مجرى الحوادث، فقد طلبت قيادة

لواء الأميرة عالية إلى رجالها أن يعتدوا لمسيرة

طويلة، لمناورات روتينية بدون سلاح، ولكن

الرجال كانت قد بلغتهم شائعات غريبة، فلم

يعد من السهل انقيادهم، حتى أن صف ضابط

سظال أما رؤسائه «وماذا سيكون مصير الملك

في كل هذا ؟»

تبع هذا السؤال فوضى لا توصف، فقد احتلت

الكتيبة ثم اللواء مخزن الذخيرة، وحاصرا نادي

الضباط الذين كانا يظنان بهم الخيانة، ثم اتجه

رجالهما نحو عمان ليطلعوا على ما يحدث فيها،

على الطريق

ً

ولقد وجدت فيما تعد قائد اللواء فارا

وأخذته معي بالسيارة ولكن الإثم قد تم اقترافه.

ى العمل بسرعة، فقد

ادر المتآمرون إل

ب

دات المدفعية وأوهموها بأن

استقدموا وح

وحدات المشاة تتجه إلى عمان لتهديد الملك،

لم يصدق رجال المدفعية ما اوحي إليهم، إلا

أنهم اعتقدوا بأنهم يخفون إلى نجدتي إذا ما

دات المشاة يلاحقونهم،

اندفعوا في إثر وح

وبدأت المعركة .

بخيانة الطرف الآخر،

ً

كل جانب كان مقتنعا

فاتجهت نحو مقر قيادة الفرقة حيث كان الجنود

قد أتلفوا كلشيء فيطريقهم، ثم إلىمقر قيادة

على

ً

كل شيء قد سلب رأسا

ً

اللواء وهنالك أيضا

عقب باستثناء صورة للأميرة عالية.

اعتليت سقف سيارتي، ثم ظهر دبابة، وجعلت

أخاطب الجنود، كانت المدافع الرشاشة تدوي

وكانت طلقات الرصاصتصفر بالقرب من أذني،

وكنت أشعر بحرارتها، حتى أنني كدت أن أفقد

سلاحي من جراء التدافع الذي كان يفوق الوصف،

نجحت بصعوبة في مغادرة مقر قيادة اللواء على

الرغم من رفض القوات أن تدعني أعبر الطريق،

كانوا يصرخون: «إنهم سيقتلونكم يا صاحب

الجلالة، سوف لن تتحركوا من هنا».

ب وأن أنفذ إلى

أن أذه

ً

واستطعت أخيرا

لأن القصف

ً

خطوط المدفعية، ولم يكن سهلا

من الجانبين، ولكن لحسن الحظ

ً

كان مستمرا

من الموت

ُ

لم يحدث أي مكروه، كما أننا لم ننج

أنا ورفاقي في هذه الليلة إلا في آخر لحظة، فقد

كان أحد الضباط المتمردين قد علم بقدومي،

وانتظر أن أعبره لتفجيره، إلا

ً

صغيرا

ً

فلغم جسرا

أن رصاصة أصابته في الظلام فجرته، ومرت

سيارتي بسلام.

من

ً

وعلمت فيما بعد أن علي أبو نوار بدلا

التوجه إلى عمان، قد حاول أن ينفذ إلى المعسكر

، ولكن لما اتجه فريق من الجنود

ّ

من باب خفي

ل أن يعود من حيث أتى وأن يفر

ّ

نحو السيارة فض

إلى قصر بسمان والأمل يداعب خياله بلا شك

من قبل الكتيبة المدرعة،

ً

في أن يجده مطوقا

وقد قال لرئيس الديوان بأنني قد بعثت به لكي

بأنني بخير ويطلب

ّ

يطمئنه ، هو ومساعدي

إليهم أن ينتظروا عودتي.

أمضيت ساعات عديدة في الزرقاء، ولم أعد

إلى عمان إلا في منتصف الليل بعد أن أعدت

النظام إلى نصابه في كل مكان، وعندما وصلت

لكي أصل

ً

أربعا

ً

إلى القصر، ارتقيت درجاته أربعا

في أقرب وقت إلى علي أبو نوار، كان قد سد

المدخل الرئيسي عشرات من الجنود الذين قالوا

لي بأن علي أبو نوار ينتظرني في مكتبي الصغير

بالحوادث التي وقعت في القصر

ً

وأعلموني فورا

في غضون ذلك، إذ عندما وصلت المدرعات

ً

حاول علي أبو نوار أن يخاطب الضباط اعتقادا

صوب إلى

ً

أولا

ً

منه بأنهم حلفاؤه، ولكن رقيبا

بطنه مدفعه الرشاش وهو يسدد نظراته إلى

عينيه وقال له:

لو لم تكن في قصر الملك لكنت أحلتك إلى

حساء باللحم، عد إلى المكتب وابتهل إلى الله أن

معافى ليستطيع أن يقول لنا

ً

يعيد الملك سليما

ما نصنع بك.

، وكان

ً

تاما

ً

كان علي أبو نوار قد انهار انهيارا

الجنود يتجولون في القصر وهم يصرخون:

«لتسقط الشيوعية، الموت لأبي نوار وسائر

الخونة!» .

كان يجب أن يرى المرء هذا المشهد المحزن،

القائد العام لجيشي يسكب الدمع كالأطفال،

إنه لأمر يبعث على الرثاء ...ماذا علي أن أصنع

لي، عاد الماضي

ً

بهذا الرجل الذي كان صديقا

إلى ذهني بينما كنت أسمع كلمات التهديد

الموجهة إليه، تذكرت رفيق الخير الذي كأنه فيما

مضى عندما كنت أمضي به إلى مطاعم باريس،

وخطرت ببالي أحاديثنا حول مستقبل الأردن وكل

أنواع المشروعات التي استحوذتعلى قلوبنا، وها

هو الآن يبكي بلا حياء، الدموع تنهمر على محياه

والخوف على حياته قد استبد به .

قلت له : ماذا تنتظر مني؟

، قال

ً

شاحبا

ً

كان وجه اللواء أبو نوار ممتقعا

أنه يريد أن أحميه «ولكن ماذا

ً

متلعثما

ً

متمتما

فعلت لتبرير ما أوليتك إياه من ثقة؟»

فتوسل علي مرة أخرى أن أرأف به وأن أنقذ

، ولا شيء غير

ً

حياته، كل ما قاله لي كان كذبا

فقد كان

ً

الكذب. أحسست فجأة بأنني متعب جدا

بالنسبة لأعصابي، كانت

ً

هذا الأسبوع منهكا

تصرفات هذا الرجل الذي وثقت به هذه الثقة قد

أمرضتني، كيف تستطيع الإنسانية أن تنجب مثل

هذه النذالة والدناءة والخسة؟

اوع نفسي بالحكم عليه

لم أستطع أن أط

بالإعدام، ولقد وجهت إلي انتقادات شديدة من

فور

ً

جراء العفو الذي منحته إياه، فقد غدا فعلا

مدى سنوات..

ً

لدودا

ً

إطلاق سراحه عدوا

كثير من الناس يعتقدون بأنه قد أخطأني

الصواب من جراء الإبقاء على حياته ولكنهم نسوا

ليس له أي طابع شخصي ذاتي،

ً

جوهريا

ً

عاملا

أنني لا أستطيع أن أعرف ماذا كان سيعني اسم

علي أبو نوار في السنين المقبلة لو تم إعدامه،

يميز فترة

ً

وليس لدي رغبة في أن أجعل منه بطلا

من تاريخ الأردن.

سألته من جديد، ماذا تنتظر مني؟

فأجاب: هل أستطيع أن أذهب إلى إيطاليا

لقضاء أسبوعين فيها ريثما تهدأ الأمور؟

ك، أنك تستطيع

ق على ذل

فقلت له: أواف

الذهاب.

كنت أعرف أنه عندما يغادر الأردن فلسوف لن

نراه مرة أخرى قبل مرور بضع سنين، ولم أخطئ

في تقديري، فقد أمضى الليلة ويا لسخرية القدر،

مع سعيد المفتي الذي كنت قد طلبت إليه أن

يتولى العناية به، وقد اضطر أخو سعيد الذي كان

، وفي اليوم التالي سافر

ً

، أن يعطيه مسكنا

ً

طيبا

علي أبو نوار مع أسرته إلى دمشق.

تجاوز الليل منتصفه، ولكن النوم لم يكن

موضوع بحث، كان علي أن أنجز أمرين: تشكيل

حكومة، ومخاطبة الشعب عن طريق الإذاعة،

لإطلاعه على الأحداث الأخيرة، كانت محطة البث

الرئيسية لدينا موجودة في القدس ولم يكن

لعمان سوى جهاز بث صغير ضمن أستوديو

لا يغطي سائر المناطق، لم تنته بعد

ً

صغير أيضا

المعوقات والمزعجات، وكان لا بد من بضعة أيام

أخرى لإعادة النظام والإستقرار، حاولت أن أشكل

حكومة خلال هذه الأيام المنهكة وهذه الليالي

التي مرت بلا نوم، ولكن بدون جدوى، عينت

للجيش، إلا أنه فر إلى دمشق.

ً

عاما

ً

قائدا

وتوقفت عن البث محطة الإذاعة الرئيسية في

القدس، في لحظة عصيبة، لأن مديرها والأفراد

الشيوعيين من موظفيها قد أغلقوها، جاءت

رى لتقسيم

دات الجيش، الواحدة تلو الأخ

وح

يمين الإخلاص والولاء للملك وللأردن.

العدوان الإسرائيلي

خاطب جلالة المغفور له الملك الحسين

الشعب الأردني يوم الخامس من حزيران عام

بدء العدوان الاسرائيلي قائلا

ً

معلنا

1967

«أيها الاخوة المواطنون،

أيها العرب في كل مكان, اخواني في القوات

المسلحة العربية, اخواني على الخط

الطويل هذه هي الساعات التي يجب على كل

واحد منا ان يؤدي واجبه في سبيل

وصولنا الى اهدافنا كما توقعنا تماما

قام العدو صباح اليوم بالاعتداء على أرضنا

العربية, على أجوائنا وعلى أرضنا, على مطاراتنا,

وعلى

مدننا وكنا نتوقع هذا، هذه الامة تقف في

في

ً

واحدا

ً

واحدة وقلبا

ً

هذا الظرف المصيري يدا

مواجهة التحدي, مواجهة العدوان في اسرائـيل

ومن يقف وراء اسرائـيل.

لقد وضعت القوات المسلحة بمجموعها في

هذا البلد بأمرة عسكري من خيرة قادتنا العرب

الفريق أول عبد المنعم رياض وهو الآن يمارس

مهامه.

كلنا جنود في هذه المعركة، معركة المصير,

الدفاع عن حقنا, الدفاع عن أرضنا، الدفاع عن

شرفنا، وتأكدوا

بأن قواتنا المسلحة وشعبنا والأمة العربية

ستجتاز الامتحان وتصل الى الهدف، ارجوكم

منتهى ضبط النفس

والمحافظة على النظام، وأن يكون كل إنسان

فيهذا البلد،كلعضومنأعضاءأسرتناالأردنية،

مثل ما أتوقع في تصرفه الآن، وأن تكونوا على

استعداد لتنفيذ التعليمات التي تصدر إليكم من

الأجهزة المسؤولة.

كلنا جنود ونحن على ابواب المعركة الفاصلة

وقد بدأت هذه المعركة فعلا، ونرجوا أن يكون

في نهايتها

القريبة النصر الذي نتمناه ونعيش من أجله،

ونحن مصممون إما حياة شريفة أو نموت بشرف

في الدفاع عن كل عزيز على قلب كل عربي.»

ورحل ...

وصف جلالة الملك عبد الله الثاني في كتابه

«فرصتنا الأخيرة» يوم رحيل والده جلالة الحسين

قائلا

«في المستشفى أمضينا الليل بطوله نتداور

الوقفة بجانبسريره. لم يكن هناك سوى عائلته

المباشرة: نور، والدتي، زوجتي، أخوتي وأخواتي،

وبعض أبناء عمي.

في ساعة متأخرة من الليلة التالية، والعائلة

كانت لا تزال مجتمعة حوله، طلب أحد الاطباء

أن يكلمني على حدة، قال لي إن السرطان انتشر

في كل أنحاء جسمه بأسرع مما كان أحد يتوقع،

ولم يعد هناك ما يستطيع الطب أن يفعله، غلبني

الحزن ومررت لبضع ثوان فيما يشبه الانهيار، ثم

إلى غرفته وأخبرت العائلة بما قيل لي،

ُ

عدت

يعجز الكلام عن وصف

ً

شجاعا

ً

ودعنا رجلا

ً

ومعا

قوة إرادته، رجلا أحببناه، أحببناه كثيرا

قال الأطباء انهم يتوقعون أن ينتقل إلى

رحمته تعالى تلك الليلة ولكنه بقي على قيد

الحياة حتى وقت متأخر من صباح اليوم التالي.

وة قلبه، وظل

دي ق

��

رف عن وال

�ُ

لطالما ع

هذا القلب الكبير ينبض لم يتوقف إلا بعد أن

استسلمت بقية أعضاء جسمه.

دد يوم الجنازة في اليوم التالي، الثامن

ُ

ح

. كان

1999

من شباط/ فبراير من العام

يوما غائما وقد بدأ الرذاذ يتساقط خفيفا، قال

بعض الأردنيين أنه «حتى السماء تبكي الملك

الحسين.»

لم يعرف اكثر الأردنيين ملكا غير الحسين،

ن هنا كانت وفاته حزنا وأسى شخصيين

ِ

وم

للمواطنين الذين شعر كل منهم بأنه فقد فردا

من أفراد عائلته لا فقط رأس الدولة.

مئات آلاف المشيعين الذين أذهلهم غيابه

غصت بهم شوارع العاصمة فيما كانت سيارة

مدرعة تحمل الجثمان المجلل بالعلم الأردني

والمحاط بأكاليل الزهر، إلى قصر رغدان حيث

مثواه الأخير.

كان المشيعون على طول الطريق، ما أن يرون

الجثمان يقترب منهم حتى يندفع نحوه منتحبين

ومولولين، ومحاولين التقاط لمحة من النعش

أو لمسه.

وراء النعش كان يسير حرس الشرف ورجل

يقود وراءه حصان والدي الأبيض، المفضل لديه

من بين أحصنته. واحتراما لذكرى والدي فإن احدا

لم يركب الحصان (واسمه عمرو) بعد وفاته.

في باحة القصر كان جمعا استثنائي من

قادة العالم ينتظر لتقديم التعازي والتعبير عن

طلق

ُ

الاحترام والتقدير. لقد جمعت الجنازة، التي أ

عليها «جنازة القرن»، خليطا من القادة العالميين

الذين لا يجمع بينهم جامع، والذين لم يحدث

أن التقوا معهم من قبل في أي مناسبة عالمية.

بعض القادة المعزين كانوا يخوضون حربا

الواحد ضد الاخر، ومنهم من حاول قتل خصمه.

لكن تقديرهم واحترامهم لوالدي جمعناهم في

جنازته.

في المجموع جاء إلى عمان لتقديم التعازي

بوالدي والتعبير عن احترام بلادهم وتقديرها له،

قائدا ورجل سلام، ممثلو خمس وسبعين دولة

من نواحي الأرض الأربع.

ى يحيط

ّ

سج

ُ

داخل القصر كان جثمان والدي م

به الحرسالملكي. وقف إلى جانب الجثمان حرس

الشرف من الشراكسة، الشعب المسلم الذي

هاجر قسم منه إلى الأردن من القوقاز في القرن

التاسع عشر. أخلص هؤلاء لوالدي على مدى

عقود من الزمن، وهاهم الأن يحرسون جثمانه

في رحلته الأخيرة».

تقول الأميرة عالية الفيصل، عن آخر لحظات

الملك الحسين فيغرفته بالمدينة الطبية، «لكنه

لم يكن معنا، فقد كان تحت تاثير التخدير الذي

ر أن الملكة نور طلبت

يخفف عنه الألم وأذك

مني أن أجلس لأقرأ القرآن إلى جواره، فجلست

معه وحدنا في الغرفة، وقرأت له ما تيسر من

السورالكريمة، كنت أمسك بيده وأنا أدرك أنه لا

يشعر بي، لكن إحساسي بأنني أفعل.»

ً

له شيئا بحد ذاته ، شيء عظيم ، كنا جميعا

حوله، نمنا إلى جواره في الغرفة ومنا من أفترش

رون على الكراسي، وعندما حضر

الأرض وآخ

الطبيب و أخبرنا عن وضعه الصحي، انهالت علينا

لحظة صعبة، كنت والأمير فيصل الذي عاشها

كأصعب لحظة في حياته، يصفها بالقول : لم

نكن نعي بأن نصف الساعة هذه، هي آخر ما تبقى

من حياته، كنت أمسك بيده وأنا لا أعرف أنها

ستكون المرة الأخيرة التي أقبلها، وفي الوقت

ذاته كنت أؤذن في إذنه، وأنا أشعربأنه يغادرنا

مرتاح السريرة والضمير، وفي اللحظة التي رفع

لصلاة الظهر في مسجد

ً

فيها المؤذن داعيا

المدينة الطبية استحقت لحظة الحق وامتلأ

الفضاء بكلمتين عظيمتين «الله أكبر، الله أكبر.»

6

2015

تشرين الثاني

15 _ 1437

صفر

3

الاحد

رأي وحوار

QR Code

في ذكرى ميلاد ملك بنى وطن

الحسين..سطور مشرقة شكلت صفحات خالدة يفخر

بها الأردنيون على مر الزمان

لمشاهدة الفيديو النادر عن حياة

الراحل الحسين بن طلال استخدم

QR Reader

الـ

الراحل الحسين .. و ابتسامة الملك الانسان

أرشيفية

أرشيفية

الملك المعزز برفقة الملك الباني