٢٠٢٦ نيسان 26 _ 1447 ذو القعدة 9 الأحد 5 سنابل مـــا الــــذي يــحــدث حـيـن يــقــرر فــــرد أن يرتدي نظارة النقد وسط حشد يحتفل؟ هـل الهجوم الكاسح الــذي نشهده في الـفـضـاء الافــتــراضــي هــو حــــراك حمائي للمصالح الوطنية ، أم أنـه مجرد إزاحـة نـفـسـيـة لــضــغــوط مـكـبـوتـة وجـــــدت في الـــطـــرف الأضـــعـــف هـــدفـــا ســــهًلا لتفريغ التوتر؟ وقـــال الإعلامــــي والـنـاشـط السياسي محمد العدوان إنه ينبغي على المجتمع تـقـبّّــل الاخـــــتلاف بـوصـفـه حـالـة طبيعية وصحية، لا تهديد ًًا يجب مقاومته، إذ إن المجتمعات التي تضيق بالرأي المختلف تميل إلى الهشاشة وسهولة الانقسام. وأضاف أن تقبّّل التعددية يسهم في تعزيز تماسكها وقـدرتـهـا على التطور، داعـيـا إلــى أن يتحمل الـفـرد مسؤولية التعبير عن رأيه بوعي ونضج، مع إدراك أن أســلــوب الــطــرح لا يـقـل أهـمـيـة عن الفكرة نفسها، بل قد يفوقها أثرًًا، لذلك فـــإن اخــتــيــار الـلـغـة الـمـنـاسـبـة وتـجـنّّــب الاستفزاز واحـتـرام السياق الاجتماعي يضمن إيصال الرأي دون تبعات قانونية أو اجتماعية. وأشـــار إلــى أن الــدولــة لا تتحرك ضد أي شخص يعبّّر عن رأيه إلا إذا كان هذا الرأي استفزازي ًًا أو خاضع ًًا لتأثيرات الرأي الـعـام، إذ غالبًًا لا يكون التدخل مرتبط ًًا بمجرد وجـــود الـــرأي، بـل بما يثيره من حساسية أو ردود فعل اجتماعية. وفـــــي هـــــذا الـــســـيـــاق، أشــــــار إلـــــى أن القانون فـي الأردن يُُعد فضفاض ًًا فيما يتعلق بإهانة الشعور الديني والفتنة والـعـنـصـريـة وإهـــانـــة الـشـعـور الـوطـنـي، حيث أن تحرّّكه يرتبط غالبًًا بما إذا كان التعبير قد يتسبب في إغاظة الرأي العام أو لا يتسبب بذلك. وأكد العدوان أن ما يحدث من حملات تشويه أو تنم ّّر أو عنف إلكتروني هو أمر معق ّّد ومتعدد المصادر، فقد يكون جزءا منه ناتج عن لجان إلكترونية تُُــدار من قبل بعض المجموعات، وفي المقابل قد يكون جزء آخر مجرد ردود فعل من أشخاص عاديين تأثروا برسائل الكراهية وقاموا بتكرارها ومبادلتها. وأوضــح أنـه لا يمكن الـوصـول إلـى ما يُُعرف بالأغلبية الصامتة أو قياسها بدقة عـبـر وســائــل الـتـواصـل الاجـتـمـاعـي، لأن هذه المنصات قابلة للتلاعب، إذ يمكن إنـــشـــاء حــســابــات مــتــعــددة أو شـبـكـات تفاعل مصطنعة لتضخيم قضايا معينة أو مهاجمة أخرى، وبالتالي فإن ما يظهر لا يعكس بالضرورة الرأي العام الحقيقي. وبـيّّــن الــعــدوان أن دور المؤسسات السياسية والحزبية والمجتمع المدني يتمثل في تمتين المناخ الديمقراطي وتــعــزيــز قــيــم الاخـــــــتلاف، إلا أن الــواقــع يشير إلــى فـجـوة بين الـخـطـاب العلني والــــمــــمــــارســــات الـــفـــعـــلـــيـــة فـــــي بـعـض الأحيان، سواء من حيث إدارة المنافسة الـسـيـاسـيـة أو اســتــخــدام أسـالـيـب غير مباشرة في الصراع، الأمر الذي يضعف مـن ترسيخ ثقافة ديمقراطية حقيقية قائمة على الاحترام والتعددية. وفي السياق ذاتـه، نبّّه الى أن ثقافة الـــتـــرهـــيـــب الـــرقـــمـــي وقــــانــــون الـــجـــرائـــم الإلكترونية قد يسهمان في خلق حالة من الخوف لدى بعض الشباب، م ّّا يدفع بـعـضـهـم إلـــى اســتــخــدام أدوات إخـفـاء أو إنـشـاء حسابات VPN الـهـويـة مثل وهمية للتعبير عن آرائهم، نتيجة ضعف الثقة بقدرة التجربة السياسية والحزبية على توفير مناخ حر وآمن للتعبير، ومع ذلك، فإن جزء ًًا من المسؤولية يقع أيض ًًا على الأفــراد أنفسهم، من حيث وعيهم بأسلوب التعبير، إذ إن بعض الهجمات قد تكون نتيجة استفزاز أو صياغة غير مناسبة للرأي. وشـــــــــدد عــــلــــى ضـــــــــــــرورة أن تــضــع مؤسسات الـدولـة أطــرًًا واضحة للحوار الـــوطـــنـــي، وأن تـــطـــوّّر تـــجـــارب تطبيقية لحوار آمن ومنظم لا يترتب عليه إفراط في المسؤولية القانونية على الشباب، مـع ضـمـان حـريـة التعبير ضمن حـدود واضحة وأن تطوير هـذه البيئة تتطلب أن تتعلم المؤسسات نفسها آليات إدارة الحوار وتقبّّل الاختلاف. وأضاف من الأولى إجراء حوار وطني شــامــل بـيـن مــؤســســات الـــدولـــة يمكن أن يسهم في تحديد الخطوط الوطنية الـمـشـتـركـة الـــتـــي يـتـفـق عـلـيـهـا غـالـبـيـة المجتمع، بحيث تصبح هــذه الخطوط واضـحـة ومعلنة أمـــام الجميع، لتكون إطار مرجعي ينظم النقاش العام ويحد مــن الاســتــفــزاز تــجــاه الــثــوابــت المتفق عليها. ولفت العدوان إلى أنه يمكن ملاحظة صـعـود الــتــيــارات اليمينية عـالـمـيًًــا بعد جائحة كورونا، نتيجة الأزمات الاقتصادية التي تمر بها دول العالم، م ّّا أدى إلى تعزيز أولـويـة حماية الـدولـة والهوية الوطنية لدى الشعوب، وارتفاع الحساسية تجاه الرموز الوطنية. وأشـــــــار فــــي هـــــذا الإطــــــــار، إلـــــى بــــروز ســـيـــاســـات أكـــثـــر تــــشــــدد ًًا تـــجـــاه بـعـض الــــمــــمــــارســــات الـــــرمـــــزيـــــة، مـــثـــل حـــرق العلم، إلـى جانب تزايد الدعم الشعبي لـلـحـكـومـات فـــي مـقـابـل تـــراجـــع نسبي في بعض جوانب الحريات، مع تصاعد خطاب الحماية وتعزيز النزعة القومية والدفاع عنها اقتصاديًًا واجتماعيًًا. سيكولوجية الوعي الجمعي وفي السياق ذاته، قالت المتخصصة فـي علم النفس تــاج بطاينة إنــه يمكن تفسير الــعــوامــل الـسـيـكـولـوجـيـة التي تــجــعــل الـــجـــمـــهـــور يــمــيــل إلـــــى الاتـــحـــاد العاطفي في شتى اللحظات، من خلال مفهوم الوعي الجمعي، مبينة أنه القوة الأخلاقية والرمزية التي تربط المجتمع بـبـعـضـه، وتــجــعــل أفــــــراده لا يـتـحـركـون كـعـقـول مـنـفـردة، بــل كعقل اجتماعي واحد. وأضافت أن هـذا الوعي يتشكل من التجارب المشتركة التي مر بها المجتمع، ومن المراحل التاريخية والتحولات التي عــاشــهــا، فينتج عـنـه شــعــور بـالـتـشـارك والاتحاد في استقبال الفرح أو الحزن. وأوضــــحــــت أن الــــوعــــي الــجــمــعــي لا يـــتـــشـــكـــل بـــــصـــــورة مـــتـــطـــابـــقـــة فـــــي كـل المجتمعات، بل يختلف من مجتمع إلى آخـر، وحتى داخـل المجتمع الواحد من مدينة إلـى أخــرى، معللة ذلـك بـأن لكل جماعة تجاربها المشتركة الخاصة التي تـصـوغ حساسيتها العاطفية وتوجهها نحو الفرح أو الحزن المشترك. ونـوهـت بــأن هــذا يبين لـمـاذا يشعر مـجـتـمـع مــعــيّّــن بـــاتـــحـــاد عــاطــفــي تـجـاه مناسبة مـــا، بينما لا يتشكل الشعور ذاته لدى مجتمع آخر، فالمسألة مرتبطة بالبنية الـرمـزيـة والـتـجـارب المتراكمة التي كو ّّنت وعيه الجمعي. وأوضحت أن مفهوم العدوى العاطفي هـــو أحــــد الــتــفــســيــرات الـسـيـكـولـوجـيـة المهمة لهذا الاتحاد؛ إذ تنتقل المشاعر بين الأفراد بصورة شبه تلقائية، فيفرح الــنــاس بعضهم بـعـض ًًــا، كـمـا يـتـبـادلـون الحزن والتأثر. وتابعت عندما تتفاعل هذه العدوى الـعـاطـفـيـة مــع الــوعــي الـجـمـعـي، يتعزز الإحساس بالانتماء والتوحد الوجداني، فيبدو الجمهور وكأنه يستجيب بوصفه كيانًًا واحد ًًا، لا مجرد أفراد متجاورين. وأشــارت الـى أن نظرة الجمهور لمن يغرد خــارج الـسـرب، مسألة تحتاج إلى تـعـمّّــق، لأن نـظـرة الجماعة لمن يخرج عـن الإيــقــاع العاطفي المشترك ترتبط أيض ًًا بآليات الانتماء، والامتثال، وحدود المقبول داخل الوعي الجمعي ذاته. وبينت أن نظرة الجمهور لمن يخرج عن السرب أو يملك رأيًًا معاكس ًًا، تعود إلى مهارة هذا المجتمع في التقبّّل، أو ما يمكن تسميته بالمناعة النفسية. أي: ما مقدار مناعته النفسية تجاه الانتقاد، حتى لـو كــان هــذا الانـتـقـاد سلبيًًا؟ وما مـقـدار قـدرتـه على تقبّّل وجــود شخص يعارضه أو يطرح موقف ًًا مخالف ًًا له؟ وأشـارت إلى أن هذه المسألة ترتبط بما إذا كان هذا المجتمع يمتلك، ضمن وعـــيـــه الــجــمــعــي، قـــــدرة عــلــى الـتـفـاهـم والـتـقـبّّــل، ومـــا إذا كـانـت لـديـه مـهـارات مـشـتـركـة تـعـزز الـتـعـامـل مــع الاخـــتلاف بدل اعتباره تهديد ًًا، مؤكدة أن المسألة لا تتعلق برد فعل فردي فقط، بل ببنية جــمــاعــيــة تـشـكـلـت مـــن قــيــم مـشـتـركـة وآليات استجابة متراكمة. وأضافت البطاينة لدى بعض الأفراد مهارة التقبّّل والانفتاح على المستوى الشخصي، لكن الفرد يتحول حين يتحرك ضـمـن الـجـمـاعـة وهـنـا يظهر أثـــر الـوعـي الجمعي، إذ يعزز لـدى الفرد المفاهيم الـــمـــشـــتـــركـــة، وكــــذلــــك الــمــيــكــانــيــزمــات والآلــــيــــات الــدفــاعــيــة الــمــشــتــركــة، الـتـي تحكم استجابة الجماعة لمن يخرج عن السرب، وهي آليات سنأتي على الحديث عنها في الأسئلة القادمة. وقالت إن ظاهرة الهجوم على الأفراد في الفضاء الرقمي هي ظاهرة جماعية، مـــؤكـــدة أنـــهـــا تــرتــبــط بــالــوعــي الـجـمـعـي المشترك لــدى هــذه الجماعة، وهــو ما يؤدي إلى أن تتحرك بطريقة جماعية. ودعــــــت الـــــى الــتــمــيــيــز بـــيـــن تـفـسـيـر الظاهرة في الفضاء الرقمي وتفسيرها على أرض الــواقــع، موضحة أن الفضاء الرقمي يختلف في طبيعته. واستنكرت البطاينة وصف مصطلح “الـذبـاب الإلكتروني” مبينة أن الفضاء الرقمي في جـوهـره، يخلق حالة يشعر فيها الــفــرد وكــأنــه يــرتــدي قـنـاع ًًــا، ســواء كـان تحت اسـم وهمي أو حتى باسمه الحقيقي، لكنه يشعر أنه لا يواجه الناس مباشرة، ولا يتعرض للعواقب ذاتها التي قد يتعرض لها في الواقع. وأضــافــت أن هـــذا يمنح الــفــرد جــرأة أكبر، ويزيد من جرأته على الآخرين، مما يجعله يعبر أحيانًًا بطريقة أكثر عدوانية، مــشــيــرة إلــــى أن مـــا نـــــراه فـــي الـفـضـاء الرقمي ليس فقط فـي قضايا الانتماء الوطني، بل حتى في أمور يومية. واستشهدت بأنه عندما ينشر أحد المشاهير “ستوري” لم تعجب الناس، فيتحرك الفضاء الرقمي بطريقة مرعبة فـــي انـــتـــقـــاده، مـوضـحـة أن الـسـبـب أن كثيرين يشعرون بالحماية داخــل هذا الـفـضـاء، ويـشـعـرون أن لديهم الأحقية والـسـلـطـة فــي انــتــقــاد الآخـــريـــن مــا دام الطرف الآخر نشر معلومة وصلت إليهم وأصـــبـــحـــت، مـــن وجــهــة نــظــرهــم، قـابـلـة للحكم والتعليق. وتابعت إذا كان المقصود بـ ” الهجوم” هو التعبير المبالغ فيه عن الفرح، كما وُُصـــف، فهنا قـد يـكـون الأمـــر أقـــرب إلى تــفــريــغ لــضــغــوط اجــتــمــاعــيــة ونـفـسـيـة، مبينة ان هـذا السلوك يرتبط بشعور المجتمع بالقمع لفترة طويلة، أو بشعور بالاغتراب النفسي داخل بلده، أو نتيجة تـــراكـــم مـــن لـحـظـات فـــرح وطـنـيـة جـرى انتقادها أو التكتم عليها أو رفضها في مـراحـل سابقة، لافتة إلــى أنــه فـي هذه الحالة، قد لا يكون ما نراه مجرد انتماء وطني خالص، بل أيض ًًا استجابة نفسية لــضــغــوط مـكـبـوتـة وجــــدت فـــي اللحظة الراهنة متنفس ًًا للتعبير. وأشارت البطاينة أنه أن التعامل مع بعض الاحـداث والمناسبات في الفترة الأخـيـرة، أسهم في تعقيد هـذه الحالة؛ مــمــا انــعــكــس عــلــى الـمـجـتـمـع الأردنــــي فاخذ يشعر أن هويته تُُــرفـض، رغـم أنه كان متعاطفًًا مع تلك الاحــداث، ويقدّّم ما يـراه دعم ًًا حقيقيًًا، لكن حين يُُرفض هـذا الـدعـم، أو يُُــرفـض مـا يرتبط بـه من وعـي جمعي وطاقة اجتماعية ومحرك ا ، ثم اجتماعي كبير يحرك مجتمع ًًا كاملًا تُُكتم هذه الطاقة أو تُُضغط، كما حدث في حــالات متكررة، فـإن ذلـك يترك أثـرًًا نفسيًًا واجتماعيًًا عميق ًًا. وبــيــنــت الــبــطــايــنــة أن الاعـــتـــراضـــات الــــمــــتــــكــــررة عـــلـــى مـــظـــاهـــر الـــــفـــــرح، أو التساؤلات المستمرة من قبيل: لماذا يُُــقـام مهرجان جــرش؟ ولـمـاذا مهرجان الـغـذاء؟ كل ذلـك، عبر التكرار والتتابع، قد ولّّد طاقة نفسية مكبوتة لدى الناس، وجــعــل شـريـحـة مـــن الـمـجـتـمـع تشعر بـاغـتـراب نفسي داخـــل بـلـدهـا، وتشعر أيـض ًًــا بـأن ذاتـهـا مرفوضة، وأن تأكيدها لهويتها موضع رفض أو تضييق. ونـــبـــهـــت الــــــى أن هــــــذا الأمـــــــر بـــالـــغ الحساسية في المجتمع الأردنــي، وفي المجتمعات العربية عموم ًًا، لأن مفهوم الـــهـــويـــة شـــديـــد الـــمـــركـــزيـــة فـــي الــوعــي الـجـمـعـي؛ بــل إن الــوعــي الـجـمـعـي، في أحد وجوهه، هو الهوية المشتركة لهذا المجتمع. وأكــدت أنـه عندما يجري رفـض هذه الــهــويــة، أو الـتـكـتـم عـلـيـهـا، أو التعامل معها بطريقة تقلل من حضورها بصورة متكررة ومتتالية، يتولد لدى المجتمع ميل إلى تأكيد هويته بأي وسيلة، حتى لو جاء هذا التأكيد في صورة اندفاعية، أو حادة، أو حتى عدوانية. وأوضـحـت أن بعض أنـمـاط السلوك الهجومي، لا يمكن فقط وصفها تعبيرًًا عـــن وعــــي جـمـعـي مـــشـــتـــرك، بـــل أيــض ًًــا هي تفريغ لضغوط اجتماعية ونفسية تراكمت نتيجة الكبت. وذكــــــرت أنــــه مـهـمـا كــــان طـــابـــع هــذه الاستجابة، فإن جزء ًًا من تفسيرها يعود إلـى أن هـذه الطاقة الجمعية، بوصفها طـاقـة مـحـركـة لمجتمع كـامـل وبــأعــداد كبيرة، حين تُُقمع أو يُُقلََّل مـن شأنها أو يُُضيََّق عليها، فـإن هـذا القمع نفسه يصبح، إلـى حـد مـا، سببًًا في إنتاج هذا النوع من السلوك. وعلى صعيد متصل أضافت البطاينة، أن كيفية التعبير عن الــرأي المعاكس مسألة مهمة أيض ًًا، لأن الانتقاد الموج ّّه مـن خــارج الـسـرب قـد يـكـون، فـي بعض الحالات، صادر ًًا عن آليات دفاعية نفسية، وبالتحديد ما يُُعرف بآلية الإزاحة. وعرفت الميكانيزمات الدفاعية بأنها الآلـــيـــات الـتـي يتبناها الأفـــــراد، وأحـيـانًًــا الــجــمــاعــات، للتعبير عـمـا فــي داخـلـهـم بطريقة تخفف عنهم التوتر أو تحميهم من مواجهة ما يؤلمهم. وذكــــــرت أن مـــن بــيــن هــــذه الآلـــيـــات الإزاحــــــة، وهـــي أن يـعـجـز الـشـخـص عن تـفـريـغ غضبه أو ضغطه تـجـاه السبب الحقيقي للمشكلة، فينقل هذا الغضب إلـــى طـــرف آخـــر أســهــل وأقــــل كـلـفـة في المواجهة. ا مـن أن يوجّّه وتابعت البطاينة بـــدلًا شخص نقده إلى الحكومة لأنه غير راض عن أدائها، قد يذهب إلى انتقاد من يحب البلد أو من يعبّّر عن الفرح والانتماء، ا ، فيوجّّه إليه غضبه بوصفه هدفًًا بــديلًا هنا يـكـون قـد مـــارس الإزاحــــة؛ أي حـوّّل مشاعره وضغوطه من السبب الأساسي إلى طرف آخر ليس هو المصدر الحقيقي للمشكلة. وشبهته بشخص يعجز عن مواجهة مصدر ألمه المباشر، فيفر ّّغ توتره على طرف أضعف، وهذا النمط نراه أيض ًًا حين ي ُُوج ََّه النقد إلى الذين لديهم وعي جمعي مشترك، أو الذين يحتفلون أو يحزنون مع ًًا، لا بوصفه نقاش ًًا صحيًًا، بل بوصفه ا من مكانه الأصلي. تفريغ ًًا انفعالي ًًا منقول ًا وأضــــافــــت أنــــه مـــن الــمــهــم تـوضـيـح أن الـمـسـألـة لا تـتـعـلـق فـقـط بـــرد فعل الجمهور تجاه من يغرد خـارج السرب، بل أيض ًًا بطبيعة التعبير الصادر من هذا الطرف الآخر، فإذا كان هذا التعبير قائم ًًا على الإزاحـــة، فهو لا يُُعد تعبيرًًا سليمًًا عن الرأي، بل قد يكون انعكاس ًًا لضغوط ومشكلات نفسية غير معالجة. وشددت البطاينة على ضرورة النظر إلى الطرفين مع ًًا، لأن الإشكال قد يكون حاضرًًا في الحالتين؛ سـواء في جماعة لا تتقبل الاخـــــتلاف، أو فــي طـــرف يعبّّر عــن اعـتـراضـه مــن خلال آلــيــات دفاعية مـشـوهـة، مبينة أن المشكلة تصبح، في جانب منها، مرتبطة باضطراب في أنماط التعبير والتفاعل لدى المجتمع، لا بمجرد اختلاف في الرأي. مـن جـانـب آخـــر، أوضـحـت أنــه عندما يشعر الـفـرد بـأن كلفة الـــرأي المختلف ا ، يصبح هذا قـد تصل إلــى العقوبة أولًا المجتمع أكثر قابلية للتلاعب، لأن هويته المشتركة تكون هشة. وأشـــارت إلـى أنـه سيقسم المجتمع إلى قسمين: قسم يؤيد الـرأي السائد، وقـــســـم يــخــالــفــه، وهـــــذا بــحــد ذاتـــــه أحــد مـــســـبـــبـــات الـــهـــشـــاشـــة الـــنـــفـــســـيـــة فـي الــمــجــتــمــع، أو الــهــشــاشــة فـــي الــهــويــة ا مـن أن يكون النفسية الجمعية، وبـــدلًا المجتمع متماسكًًا ومـتـكـاتـفًًــا، تصبح قـوى الاستقطاب والانقسام أكثر قدرة على التأثير فيه، م ّّا يسه ّّل التلاعب به. وتـــابـــعـــت أن هــــذا قـــد يـشـعـر بعض الأفراد بنوع من التفوق الأخلاقي، وكأنهم هم الطرف “الأصح” أو “المختار”، بينما يشعر الطرف الآخـر بالاغتراب النفسي؛ يشعر أنــه فـي بـلـده، لكنه لا يحس أنه يشبه الآخـريـن، أو أنـه داخــل مجتمعه، لكنه لا يشعر بالانتماء إليه، وكأنه ليس في المكان الصحيح. وقــــالــــت إن هـــــذا يـــقـــود إلـــــى تـعـم ّّــق الاغـــتـــراب الـنـفـسـي، ويــزيــد مــن شعور الـمـجـتـمـع بــــالانــــسلاخ، ومــــن هـشـاشـة الهوية، ويضعف الروابط المشتركة بين أفراده. وبينت أنه حين يشعر الفرد بأن كلفة الــرأي المختلف قد تصل إلـى العقوبة، هي مسألة لها حد ّّان، ففي بعض الأحيان قد تـؤدي العقوبة على المدى القصير، إلى تصويب السلوك ظاهريًًا أو إسكات الانتقاد، لأن العقاب في علم النفس قد ا في إنتاج نتائج سريعة. يكون فع ّّالًا وأشــارت إلـى أن أثـر المشكلة يصبح أسـوأ على المدى البعيد، فالعقوبة قد تــوقــف الــســلــوك مــؤقــتًًــا، لكنها لا تبني قناعة، ولا تنتج اسـتـقـرارًًا حقيقيًًا، في المقابل، التعزيز قد يحتاج وقتًًا أطول ليعطي نتيجة، لكنه على المدى البعيد يـنـتـج أثــــرًًا أكــثــر اســتــدامــة، مضيفة أن العقوبة نتائجها سريعة، لكنها قد تؤدي لاحق ًًا إلى تفكك المجتمع، وظهور أصوات معارضة أشــد، وتعميق الانقسام بدل معالجته. وقالت البطاينة إن العزل الاجتماعي والـهـجـوم العلني يضيفان أثــــرًًا نفسيًًا آخــر، لأنهما لا يفرضان فقط كلفة على الرأي المختلف، بل يرسخان الخوف من التعبير، ويزيدان من مشاعر الاغتراب والهشاشة النفسية، سواء على مستوى الفرد أو المجتمع ككل. الاحتفالات الوطنية ومنصات التواصل الاجتماعي: حوار شبابي حول حدود النقد والاختلاف ࣯ ي رموك- بهاء الدين حواتمة � صحافة ال صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي حـذر الطبيب ماهر يـاغـي، استشاري الطب العام، من مخاطر استخدام المكملات الغذائية بعشوائية، ا عن الطبيب أو العلاج الدوائي مؤكدًًا أنها ليست بديلًا وقد تؤدي إلى مضاعفات صحية خطيرة في حال سوء استخدامها أو تناولها بجرعات غير مدروسة. وشدد على أن المكملات الغذائية لا يمكن أن تلبي جميع احتياجات الجسم، وأن التعامل معها كبديل عن الاستشارة الطبية يعد سلوك ًًا خطير ًًا لما قد يترتب عليه من آثار جانبية. وأشار إلى أن نمط الحياة السريع الذي يعيشه كثير من الأفراد اليوم يلعب دورًًا محوريًًا في هذا التوجه، إذ لم يعد لدى البعض الوقت الكافي لاتباع نظام غذائي متوازن، م ّّا يدفعهم للبحث عن بدائل سريعة تعوض هـــذا الـنـقـص وهــنــا تـظـهـر الــمــكــملات الـغـذائـيـة كخيار سهل وسريع رغم أن فعاليتها لا تعادل دائم ًًا التغذية السليمة، مضيفًًا أن ارتـفـاع مستوى الوعي الصحي، خاصة بعد جائحة كورونا، لعب دورًًا في زيـادة الإقبال على المكملات الغذائية بهدف تعزيز المناعة والوقاية مـا أسـهـم فـي ترسيخ فـكـرة الاعـتـمـاد عليها لتحسين الصحة العامة. ولفت ياغي الى انتشار ما يعرف «بالخلطات» غير المعتمدة طـبـيًًــا، والـتـي يتم الـتـرويـج لها عبر وسائل التواصل الاجتماعي أنها قد تشكل خطرًًا حقيقيًًا على الصحة العامة، مبينا أن هذه المنتجات قد تؤدي إلى حالات تسمم حادة أو سمنة مفرطة، إضافة إلى تأثيرات سلبية على وظـائـف الكبد والـكـلـى، وقــد تمتد آثـارهـا لتشمل اضـطـرابـات عصبية أو هرمونية على المدى الطويل. وأوضح أن تناول المكملات بكميات كبيرة أو لفترات طويلة دون حاجة فعلية قد يــؤدي إلـى أضــرار صحية، موضح ًًا أن بعض العناصر مثل فيتامين (د) أو الحديد قد تسبب مشاكل في الكلى أو الجهاز الهضمي عند تـجـاوز الحد الطبيعي، لذلك يجب الالــتــزام بالجرعات الموصى بها طبيًًا. وبين أن إقناع البعض بخطورة الاستخدام العشوائي للمكملات قد يكون تحديًًا، خاصة إذا كان لديهم اعتقاد راسخ بفوائدها أو تجارب سابقة إيجابية معها، مبين ًًا أن الحل يكمن في اتباع أسلوب توعوي لطيف ومدعوم بـالأدلـة العلمية مـع تقديم بـدائـل علاجـيـة واضـحـة بما يساعد المريض على فهم المخاطر المحتملة واتخاذ قرار واع ٍٍ. ومن ناحية أخرى، بين أن قطاع المكملات الغذائية يعاني من ضعف في التنظيم إلى حد كبير، حيث تطرح العديد مـن المنتجات دون رقـابـة كافية أو فحوصات دقيقة، ما يفتح المجال أمام بعض الجهات لاستغلال المستهلكين، مـؤكـدا أن هــذا الـواقـع يستدعي تعزيز الــرقــابــة الـرسـمـيـة وزيـــــادة وعـــي الـمـواطـنـيـن بمخاطر المنتجات غير الموثوقة. وكشف ياغي عن تعامله مع حالات متعددة نتجت عن الاستخدام العشوائي للمكملات الغذائية، حيث أدى تناول جرعات زائدة لدى بعض المرضى إلى مشكلات صحية خـطـيـرة، مـثـل اضــطــرابــات فــي وظــائــف الكلى، وارتفاع أو انخفاض ضغط الدم، إضافة إلى التهابات في ا طبيًًا المعدة، مبين ًًا أن هذه الحالات كانت تتطلب تدخل ًا لعلاج المضاعفات الناتجة. وأوضـــح أن التشخيص يبدأ بتقييم شامل للحالة يـتـضـمـن أخـــذ الــتــاريــخ الــمــرضــي وإجـــــراء الـفـحـوصـات المخبرية اللازمة لتحديد مستوى العناصر في الجسم وبـعـد ذلــك يتم علاج الأعــــراض بحسب شدتها سـواء مـن خلال إعـطـاء السوائل أو الأدويـــة المناسبة، وفي الحالات المتقدمة قد يتطلب الأمر إدخال المريض إلى المستشفى أو إجراء تدخلات متخصصة. وأشار إلى أنه لا يمكن إغفال الدور المتنامي لوسائل الـتـواصـل الاجـتـمـاعـي، الـتـي أصـبـحـت منصة رئيسية للترويج لهذه المنتجات حيث يلجأ كثير من الأشخاص إلى استخدام المكملات دون استشارة طبية، متأثرين بما يشاهدونه من محتوى دعائي أو تجارب شخصية يشاركها مؤثرون. وأضــــاف أن هـــذه الــظــاهــرة تـتـعـزز بفعل الـحـملات التسويقية المكثفة الـتـي تـربـط بين هــذه المنتجات ومفاهيم الصحة والطاقة والجمال، وهي عناصر تحظى باهتمام واسع لدى الجمهور. ووصـــف أن كـثـيـرًًا مــن الـمـرضـى يـشـعـرون بـارتـبـاط عاطفي مع المؤثرين على وسائل التواصل الاجتماعي، نـظـرًًا لتشابه أنـمـاط حياتهم، إذ إن المعلومات التي يقدمها هؤلاء تكون غالبًًا مبسطة وسهلة الاستيعاب، على عكس النصيحة الطبية التي تحتاج إلى شرح أعمق، ما يدفع البعض لتفضيل آراء المؤثرين على الاستشارة الطبية المتخصصة. وشـــدد أن الــمــكــملات الـغـذائـيـة ليست خـالـيـة من المخاطر، وأن استخدامها يجب أن يتم بحذر وتحت إشـراف طبي والوقاية تبقى الخيار الأفضل، من خلال تعزيز الوعي وتجنب الاستخدام العشوائي وأن صحة الإنسان مسؤولية لا تحتمل المجازفة، وأن الاعتماد على النصائح غير الطبية قد تكون له عواقب خطيرة. استشاري طب عام يحذر من الاعتماد على المكملات الغذائية كبديل للعلاج ࣯ ي رموك- سيف الدين عيساوي � صحافة ال
RkJQdWJsaXNoZXIy MzI3NjE0Mw==