صحافة اليرموك

٢٠٢٦ نيسان ١٢ _ 1447 شوال ٢٤ الأحد 4 شرفات ࣯ ي رموك- حذيفة محاسنة � صحافة ال لم تعد أزمة اللغة العربية اليوم مجرد تراجع في الأداء اللغوي لدى الشباب، بل هي «أزمة وجود وظيفي» ناتجة عن صراع حاد بين فصحى أكاديمية حُنّطت في قوالب النحو الجامد، وبين عامية رقمية تجتاح الفضاءات اليومية بمرونة تفتقر إلـى العمق، وإن تشخيص الخبراء من قلب الجامعة، والـمـدرسـة، والمجمع، يضعُنا أمـــام حقيقة صــادمــة: نحن لا نُــــدرّس لـغـة، بل نُــدرّس «تاريخ لغة»؛ حيث تحول المنهج إلى «مُــؤسـس للخلل» عبر الكم النظري، وأصبح أسلوب الشرح «مُكرساً» له بالتلقين الجاف، مما حوّل لغتنا الأم من مهارة حياة إلى «عبء امتحاني» ينفر منه الجيل الرقمي. وقال رئيس قسم اللغة العربية في جامعة الــيــرمــوك الأســـتـــاذ الــدكــتــور علاء الـغـرايـبـة إن مـسـتـوى إســتــخــدام الـلـغـة الـعـربـيـة الفصحى متدنية وفــي اضــطــراب، م ّّــا يـوجـد فـجـوة حـادة تنبع من صراع وظيفي للعربية الأكاديمية التي تدرس كقواعد «هيكل عظمي» معزولة، حيث أن المتداولة العامية سريعة لكنها تفتقر العمق المعرفي. وبـيّّــن الغرايبة أن تحول اللغة فـي التعليم إلى مادة نظرية جامدة تُُركز على الإعراب وهي معزولة عن لغة العصر ومتطلبات سوق العمل، حــيــث أن فـــي الإعلام يــوجــد طـغـيـان الـعـامـيـة الرقمية والتساهل فـي الضبط الـنـحـوي على حساب الجودة والعمق المعرفي. وأوضح أن العربية ما زالت قادرة على مواكبة العصر، م ّّا تمتلك «هندسة فريدة» وقدرة هائلة على الاشتقاق وتوليد المصطلحات من جذورها الـثلاثـيـة، مـن أجــل تكييف أي مفهوم حديث، إضافة أنها بحاجة إلى إرادة لتسريع التعريب وتفعيلة، إضافة أن تعليم اللغة العربية يحتاج منهجية التفكير اللغوي القائمة على المشاريع العملية وتوظيف التقنية بذكاء بسبب فشلها في مواكبة الجيل الرقمي التي ما زالت اللغة تُُعامل كمادة حفظ جامدة وليست مهارة حية للممارسة. وأبـان الغرايبة أن الخلل الأكبر في تدريس اللغة إشـكـالـي ومُُــركّّــب، حـيـث أن المنهج هو المُُؤس ِِّس للخلل لأنـه يركز على الكم النظري الجامد، بينما أسلوب الشرح هو الم ُُكر ِِّس لأنه يعتمد على التلقين الجاف، والنتيجة المشتركة هـي تحويل اللغة إلــى عــبء امتحاني، إضافة إلـــى مـفـتـاح ربـــط الـلـغـة بـحـيـاة الــطــالــب يكمن فـي تحريرها مـن الـمـدرسـة إلــى فـضـاء الحياة الـرقـمـي والـمـهـنـي وذلـــك عـبـر إنــتــاج المحتوى على الـمـنـصـات، وتـحـويـل الــــدروس إلــى ورش عـــمـــل لـــحـــل الـــمـــشـــكلات مـــثـــل كـــتـــابـــة الـسـيـر الذاتية والرسائل الرسمية، وتوظيف الألعاب والتحديات التفاعلية. وأكـــد أن يجب التركيز على أهــم الـمـهـارات الـــلـــغـــويـــة وهـــــي صـــيـــاغـــة الأبــــحــــاث والـــتـــقـــاريـــر الاحترافية، والتقديم الوجاهي الواثق، ومهارة التفكير الـنـقـدي، لجعل العربية أداة للقيادة الفكرية، التي تعمل على تحويل توظيف اللغة في سياق التخصص إلى خدمة الإنتاج المعرفي والمهني. وقــــال الـغـرايـبـة إن الـمـسـؤولـيـة الأكــبــر في حماية اللغة العربية تتمثل فـي ثلاث دوائـــر: التشريعية والسياسية الأكثر إلتزامًًا لتحويل القرار إلى قانون، والمعرفية والثقافية للتحديث والـجـاذبـيـة المعرفية، والشعبية المجتمعية للممارسة الـيـومـيـة والأســتــدامــة، إضــافــة إلـى دور الإعلام في خدمة اللغة عبر تبني الفصحى المبسطة الجذابة، ونشر المحتوى المعرفي العميق، وإعتماد المصطلحات الم ُُعربة ليكون حـلـيـفًًــا إسـتـراتـيـجـيًًــا بــــدلا مـــن مــصــدر للتلوث اللغوي. وبيّن أن يمكن تشجيع الشباب على إستخدام اللغة العربية بثقة مـن خـال ربطها بمفاهيم الاحترافية والنجاح المهني، وإزالـة الخوف من الخطأ، وإنشاء ورش عمل ومسابقات خطابة آمنة، مبينًا أن اللغة العربية ليست رفاهية، بل بنية تحتية وطنية ونظام تشغيل للهوية، يجب تحويلها مـن إلــتــزام تـراثـي إلــى إستثمار مُــســتــقــبــلــي، مــــن خـــــال تـــشـــريـــعـــات صـــارمـــة، لتمكينها في التعليم العالي وقطاعات التقنية. ومـن جهة أخـــرى، قـال معلم اللغة العربية والـنـحـو الــدكــتــور عـلـي الـمـحـاسـنـة إن مـهـارات الــقــراءة والـكـتـابـة للغة العربية فـي المدرسة ضعيفة، ويـوجـد فــروق فـرديـة لا تتجاوز عشرة بالمئة باستثناء بعض الطلبة الذين يملكون مهارة جيدة. وبيّن المحاسنة أن اللغة العربية الفصحى تــكــاد أن تــكــون مـعـدومـة عـنـد الـطـلـبـة، إضـافـة أن أداء الـطـاب أثـنـاء الـمـمـارسـات والحصص اليومية يكونوا أكثر فعالية أما في الامتحانات يوجد خلل أو توتر عندهم، مبينًا أن الأمر الذي يشتت الطلاب عند تعلم اللغة هو صعوبة اللغة المعيارية، فيُفضل وجود أساليب في تدريس اللغة كي لا تكون جامدة. وأوضح أن الطلبة يعتمدون بشكل كبير على اللغة العامية في كل تواصلهم اليومي، حيث أن الألعاب والمحتوى المرئي يؤثران بشكل فعّال على المفردات عند الطلبة، إضافة أن معلموا الـلـغـة الـعـربـيـة تـكـلـمـوا بـلـغـة عـربـيـة فصيحة، فالطلاب مؤهلون بأن يتكلون اللغة الفصيحة داخل الصف وخارجة. وأفـــــاد الـمـحـاسـنـة بــــأن أبــــرز الـكـلـمـات الـتـي يُلاحظها من الطلاب هي يا بُني، وأسعدت صباحًا، وأنعمت مساءً، مُستعملًا إياها عند التحية إلى الطلاب مّا أوجد رواجًا عند الطلبة في استعمالها، إضافة إلى الأنشطة التي تُحسن من لغة الطلاب التي تعتمد على إستخدام التكنولوجيا في إنتاج الطلبة فيديوهات بنصوص باللغة الفصحى. وأبـان أن القراءة الحرة ترفع مستوى اللغة بشكل ضئيل ويعود السبب الرئيسي في ذلك إلى قراءة الطالب دون وجود من يصحح له مما يستلزم ضــرورة المتابعة من قبل المعنيين، إضافة أن الاستماع يطور اللغة أكثر من القراءة، فقد تساهم القراءة في زيـادة المفردات ورفع مستوى الثقافة فقط. وفــــــي ســــيــــاق آخـــــــر، قــــالــــت ضــــابــــط الإعــــــام والــعــاقــات الـعـامـة فــي مجمع الـلـغـة العربية رانـيـا بني دومـــي إن مستوى إسـتـخـدام اللغة العربية لدى الشباب مُتباين؛ إضافة انه يوجد فئة واعية ومهتمة تحرص على سلامة لغتها خصوصًا فـي السياقات الأكاديمية والثقافية وفئة أخرى تستخدم لغة عامية ممزوجة بلغات أجنبية بسبب غياب البيئة الداعمة للاستخدام السليم. وبيّنت بني دومــي أن الفجوة بين العربية الأكاديمية والعربية المتداولة يوميًا واضحة وعميقة وتتمثل بأن العربية الأكاديمية تُقدم ضمن قوالب جامدة تفرضها طبيعة المواضيع المطروحة والمنفصلة عن الحياة اليومية، إذ تغيب اللغة الفصحى عن التداول اليومي لتحل محلها العامية بشكل أوسع. وأشارت إلى أبرز التحديات التي تواجه اللغة في التعليم والإعلام تتمثل في ضعف المهارات التطبيقية، وهيمنة السرعة على حساب الدقة، إضــافــة إلـــى غــيــاب الـــقـــدرة الـلـغـويـة فــي بعض المنصات، وقلة المحتوى الجاذب الـذي يقدّم العربية بصورة قريبة من المتلقي، مبينتًا أن التاريخ أثبت قدرة اللغة العربية على إستيعاب العلوم والمصطلحات، حيث أن العربية لغة حيّة مرنة ذات قدرة اشتقاقية هائلة. وأوضـــحـــت بـنـي دومــــي أن طـــرق الـتـدريـس بحاجة إلــى الانـتـقـال مـن الحفظ والتلقين إلى تـنـمـيـة مـــهـــارات الـتـفـكـيـر والـتـعـبـيـر والـكـتـابـة الإبداعية وربط اللغة بالاستخدام الفعلي لا فقط بالأختبارات، إضافة أن أسلوب الشرح والتطبيق العملي له النصيب الأكبر من الخلل، حيث أن المنهج الجيد قد يفقد أثره إن لم يقدم بطريقة محفزة. ونوهت أن يمكن ربـط اللغة بحياة الطالب من خلال توظيف النصوص المعاصرة والإعلام، ووســـائـــل الـــتـــواصـــل، والــكــتــابــة عـــن قـضـايـاهـم وتشجعية على التعبير عن ذاته بالفصحى من غـيـر تـكـلّّــف، إضــافــة إلـــى الـتـركـيـز عـلـى مـهـارات الكتابة الأكاديمية، والتحرير اللغوي والمحادثة الشفهية. وبــيّــنــت بـنـي دومــــي أن الـمـحـتـوى الـسـريـع يؤثر في قدرة الطلاب على الكتابة المتماسكة وعـلـى بـنـاء الفكرة وتسلسلها وجـــودة الكتابة والتحليل فيها، إضافة إلى توفير محتوى يجمع بين البساطة والعمق ويقدّم اللغة في سياق قصصي محفز. وأكـــدت أن المسؤولية جماعية فـي حماية الـلـغـة الـعـربـيـة، تــبــدأ مــن الأســــرة وتــتــعــزز في الـــــمـــــدارس والــــجــــامــــعــــات، ويـــتـــحـــمّّـــل الإعلام والــمــؤســســات الـثـقـافـيـة والــمــجــامــع الـلـغـويـة دورًًا محوريًًا، حيث أن الإعلام سلاح ذو حدين يمكنه أن يكون داعم ًًا للغة عبر النماذج اللغوية الـسـلـيـمـة، وأمــــا يــكــون م ُُــسـاهـم فــي إضعافها بسبب غياب المعايير المطلوبة. أزمة اللغة العربية.. ثورة منهجية لإنقاذها من «هيكل عظمي» إلى نظام تشغيل للهوية تعبيرية فـــي وقــــت يــشــهــد فــيــه الــعــالــم تحولات متسارعة في أنماط إنتاج واستهلاك المحتوى، تبرز الصحافة العربية أمام اختبار حقيقي يتعلق بقدرتها على مواكبة هذه التحولات، خــاصــة مــع صــعــود أنــمــاط جـديـدة مثل صحافة البيانات والصحافة البنّّاءة، التي لم تعد مجرد خيارات مهنية، بـل أدوات ضـروريـة لفهم الواقع وتقديمه بعمق ومسؤولية. ورغــــم هــــذا الــتــحــول الـعـالـمـي، لا تــــزال الـعـديـد مــن الـمـؤسـسـات الإعلامية في العالم العربي عالقة فـــي نـــمـــوذج تــقــلــيــدي قـــائـــم على الإنــــتــــاج الــكــمــي وعـــــدم الاهــتــمــام بـــإنـــتـــاج أشــــكــــال صــحــفــيــة حـديـثـة تـــقـــوم عـــلـــى تـــوظـــيـــف الـــتـــطـــورات التكنولوجية وأدواتــهــا المختلفة، م ّّــا يطرح تـسـاؤلات جوهرية حول أســـبـــاب عـــزوفـــهـــا عـــن تــبــنــي هــذه الأنماط، وما إذا كان ذلك ناتج ًًا عن قيود اقتصادية، أو بيئة سياسية، أو فجوات مهنية، أو حتى تحولات في سلوك الجمهور نفسه. يـــــرى رئـــيـــس تـــحـــريـــر صـحـيـفـة السلام الجزائرية الصحفي توفيق بــــو حــــجــــار، أن الـــتـــحـــول الــرقــمــي بــــــات يــــفــــرض عـــلـــى الــصــحــفــيــيــن والـــمـــؤســـســـات الإعلامــــيــــة إعــــادة الـــتـــفـــكـــيـــر فـــــي أســــالــــيــــب الــعــمــل الــتــقــلــيــديــة، مـــؤكـــدا أن الـصـحـفـي لـــم يــعــد كــمــا فـــي الــســابــق يـوسـع الــمــوضــوع أو يــعــود إلـــى سـيـاقـات سـابـقـة، بــل أصـبـح مـطـالـبًًــا بإنتاج محتوى سريع يـــتلاءم مـع طبيعة المنصات الرقمية. وتابع أن المهنة لم تعد قائمة على الـتـوسـع فـي المعالجة بقدر ما أصبحت تعتمد على سرعة نقل الخبر والتكيف مع إيقاع الاستهلاك الحديث، موضحا أن هـذا التحول ارتبط بشكل مباشر بتغير سلوك الجمهور، حيث اتجه الجمهور نحو الــمــحــتــوى الــســريــع عــلــى حـسـاب التحليل، مّّا دفع المؤسسات إلى الـتـركـيـز عـلـى الـمـنـصـات الرقمية ووســــائــــل الـــتـــواصـــل، مـــع صـعـود صــحــافــة الـــمـــوبـــايـــل الـــتـــي أعــــادت تشكيل العمل الصحفي. وفي السياق ذاته، قال مؤسس مـــنـــصـــة إنـــــفـــــو تــــايــــمــــز لـــصـــحـــافـــة البيانات الصحفي المصري عمرو الــعــراقــي إن الــتــحــول فـــي سـلـوك الجمهور لا يمكن فصله عن البيئة المعلوماتية في المنطقة، موضح ًًا أن أحـد أبـرز التحديات يتمثل في ضـعـف إتــاحــة الــبــيــانــات، إذ تُُنشر غـالـبًًــا بصيغ مغلقة مـثـل ملفات )، م ّّا يحد من قدرة الصحفي PDF( عـلـى تحليلها واســـتـــخلاص نتائج منها، ويــؤدي إلـى إضعاف القيمة التحليلية للمواد الصحفية لغياب البيانات الخام. ويـــرى بــو حـجـار أن هـــذا الـواقـع انعكس بشكل مباشر على غرف الأخــــبــــار، الـــتـــي بـــاتـــت تـسـعـى إلــى التأقلم مع التحولات التكنولوجية، ســـواء فــي طـريـقـة كـتـابـة الـخـبـر أو صـيـاغـتـه أو تـقـديـمـه، مــع الحفاظ على الدقة. ولفت إلى أن منصات التواصل الاجــتــمــاعــي أصـبـحـت تـتـحـكـم إلـى حـــد كـبـيـر فـــي طـبـيـعـة الـمـحـتـوى، وتــدفــع الـمـؤسـسـات نـحـو البحث عن “الأحداث المثيرة” أو ما يُُعرف بـ”البوز”. فجوة التطبيق...عدم فهم أو غياب الاستقرار وقـــــــال الـــصـــحـــفـــي الـمـسـتـقـل الــلــبــنــانــي أحـــمـــد أبــــو حـــمـــدان إن الإشــكــالــيــة لا تــتــوقــف عــنــد حـــدود المؤسسة، بـل تمتد إلـى الثقافة المهنية داخلها، مـؤكـدًًا أن الجيل الـــجـــديـــد مــــن الــصــحــفــيــيــن يُُـــبـــدي اسـتـعـدادًًا واضـح ًًــا لتبني أساليب الــصــحــافــة الـــجـــديـــدة، خـــاصـــة عند التعرف عليها من خلال التدريب. وأكـــد أن هـــذا الـتـوجـه ينعكس فــي مـحـتـوى يـتـجـاوز نـقـل الـحـدث نحو طرح مقاربات أكثر مسؤولية وتـأثـيـرًًا، تسعى إلــى تقديم جرعة واعـــيـــة مـــن الأمـــــل لـلـمـجـتـمـعـات، مشيرًًا إلى أن التدريب والاحتكاك المباشر بـهـذه الأسـالـيـب يـعـززان مـن قــدرة الصحفيين على تبنيها وتطبيقها عمليًًا. وأضـــــــاف أبـــــو حــــمــــدان أن هـــذا التردد لا يأتي بالضرورة من رفض هـــذه الأســـالـــيـــب، بــقــدر مـــا يرتبط بـــتـــجـــارب مــهــنــيــة ســـابـــقـــة، حـيـث قــد يـــرى بـعـض الصحفيين ممن اعــتــادوا نمطًًا معينًًا أن الصحافة الجديدة تمثل تهديدًًا لخبرتهم أو عبئًًا إضافيًًا في بيئة عمل مرهقة، موضحًًا أن التغيير لا يرتبط فقط بتوفير التمويل، بـل يتطلب بناء ثقافة مهنية تشجع على التجريب وتكافئ المحاولات. ويــــرى عــمــرو الــعــراقــي أن هـذا الـــتـــأقـــلـــم عـــلـــى أنــــمــــاط الــصــحــافــة الــجــديــدة يـظـل مـــحـــدود ًًا فـــي ظل طـــبـــيـــعـــة الــــنــــمــــاذج الاقـــتـــصـــاديـــة للمؤسسات الإعلامية، التي تعتمد غالبًًا على مصدر تمويل واحـد، م ّّا ا ًا يجعلها تميل إلــى الاسـتـقـرار بـدل من خوض مغامرات تطويرية. وبــيــن أن هــــذا الـــواقـــع يدفعها إلــى التركيز على الأخــبــار اليومية الـسـريـعـة عـلـى حــســاب الـتـقـاريـر التحليلية أو الـقـصـص الصحفية الـمـعـمـقـة، وهــــو مـــا يـنـعـكـس في هـيـكـلـهـا الــتــحــريــري الــــذي يفضل الخبر على القصة. وأشــــار الــعــراقــي إلـــى أن غياب الأجـــــــنـــــــدات الــــتــــدريــــبــــيــــة داخــــــل الـــمـــؤســـســـات، إلــــى جـــانـــب غـيـاب الـفـرق المتخصصة مثل صحافة البيانات أو الصحافة الاستقصائية، يـــجـــعـــل مـــــن تــــطــــويــــر الــــمــــهــــارات مـسـؤولـيـة فـــرديـــة، وهـــو مــا يخلق فـــجـــوة واضـــحـــة بــيــن مـــا يتعلمه الصحفيون وما يُُطبق فعليًًا داخل غـرف الأخـبـار، خاصة في ظل بيئة عمل تقيس النجاح بعدد المواد المنشورة لا بعمقها. ومن زاوية أخرى، لفت أحمد أبو حمدان إلى أن بعض المؤسسات تلجأ إلى تبرير هذا الواقع بالحديث عن “ضغط الجمهور”، إلا أن التركيز على مؤشرات سطحية مثل عدد الـمـشـاهـدات الـسـريـعـة، وتجاهل مؤشرات أعمق كالثقة أو التفاعل الـــنـــوعـــي، يــــؤدي إلــــى إعـــــادة إنــتــاج نفس أنماط المحتوى، لأنها تحقق نجاح ًًا سريع ًًا على المدى القصير. وتــتــقــاطــع هــــذه الـــرؤيـــة مـــع ما طرحته الباحثة فـي عـلـوم الإعلام والاتصال في تونس والمتخصصة في الصحافة البنّّاءة فاتن مهذّّب أن الإشكالية تبدأ من غياب الفهم الـدقـيـق لـهـذه الـمـفـاهـيـم، مـؤكـدة أنه لا يـزال بعضها غير واضـح لدى شريحة من الصحفيين. وأشــــــارت إلــــى أن تـبـنـي بعض المؤسسات لهذه الأنماط يتم غالب ًًا بشكل عفوي استجابة لمتطلبات السوق، وليس بدافع وعي مهني، مـــشـــددة عــلــى أن الـــخـــوارزمـــيـــات والاعــــتــــبــــارات الاقـــتـــصـــاديـــة تـوجـه المحتوى نحو زيــادة المشاهدات والعوائد، بما ينسجم مع طرح أبو حـمـدان حــول دور المؤسسة في تشكيل ذائــقــة الـجـمـهـور لا مجرد الاستجابة لها. أزمة البيانات وقــــالــــت مـــشـــرفـــة الـتـحـقـيـقـات الاستقصائية في شبكة أريج فرح جلاد إن الوصول إلى البيانات يُُعد مـــن أبــــرز الــتــحــديــات الــتــي تــواجــه الـصـحـفـيـيـن، لا سـيـمـا فـــي مـجـال الصحافة الاستقصائية، رغم وجود يــــعــــرف بـــالـــحـــق فــــي الــحــصــول � مــــا على المعلومات، مشيرة إلـى أن البيانات ليست متاحة دائم ًًا، وفي ا ًا كثير من الأحيان لا يتم جمعها أصل بشكل منهجي أو منتظم، ما يخلق فــجــوة واضـــحـــة فـــي إنـــتـــاج الــمــادة الصحفية. وأوضـــحـــت جلاد أن عـــدم توفر البيانات لدى جهة معينة لا يعني بالضرورة غيابها، إذ يمكن العثور عــلــيــهــا لـــــدى جـــهـــات أخــــــرى مـثـل مــنــظــمــات حـــقـــوق الإنــــســــان الـتـي تــعــمــل عـــلـــى جــمــعــهــا وتــوثــيــقــهــا، بينما تكتفي بعض المؤسسات الرسمية بنشر معلومات متفرقة مرتبطة بأحداث محددة دون توفير قـاعـدة بـيـانـات شـامـلـة، م ّّــا يفرض على الصحفيين تتبع هذه البيانات وتجميعها للوصول إلى صورة أكثر ا ًا. اكتمال وأضــــافــــت أنـــــه فــــي مـــثـــل هـــذه الحالات يمكن للصحفي الاستفادة مـن البيانات الجزئية المنشورة، كـــالإعلانـــات الـرسـمـيـة الـتـي تصدر عند وقوع كل حالة، والعمل على جمعها وبنائها فـي قـاعـدة بيانات مـتـكـامـلـة، إلـــى جــانــب الاسـتـعـانـة بـــبـــيـــانـــات صـــــــادرة عــــن مـنـظـمـات حقوقية أو مصادر بديلة، لافتة إلى أن هذا المسار يمك ّّن الصحفي من تجاوز فجوة الممارسة وبناء صورة ا ودقة حول القضية. أكثر شمولًا ويرى العراقي أن هناك مفاهيم خــــاطــــئــــة لا تــــــــزال تـــعـــيـــق دخـــــول الـصـحـفـيـيـن إلــــى مـــجـــال صـحـافـة البيانات، مثل الاعتقاد بأنها تتطلب مهارات معقدة أو بيانات ضخمة، أو أنها تقتصر على الإنفوغرافيك، في وقـت لا تتيح فيه بيئة العمل داخـل غـرف الأخبار الوقت الكافي لإنـــتـــاج قــصــص مـعـمـقـة، رغــــم أن كـــثـــيـــرًًا مـــن الـصـحـفـيـيـن يـسـعـون بشكل فردي لتطوير أنفسهم. وعــلــى صـعـيـد مــتــصــل، أفــــادت مهذ ّّب أن غياب الصحافة المعمقة لا يـعـكـس بـــالـــضـــرورة ضــعــفًًــا في الـــرؤيـــة، بـقـدر مــا يعكس خـيـارات تــحــريــريــة تـتـبـنـاهـا الــمــؤســســات، حيث تفضل بعض الوسائل الإنتاج السريع والكثيف، فيما تتجه أخرى إلـى التحليل والتعمق، مـا يجعل هــــذا الــتــبــايــن انـــعـــكـــاس ًًـــا مــبــاشــرًًا لطبيعة السوق الإعلامــي وسلوك الجمهور. تتشابه مـواقـف الـمـصـادر عند نقطة جوهرية مفادها أن التحول الرقمي، رغم كونه ضرورة مهنية، إذ لا يـزال يُُــدار داخـل المؤسسات الإعلامـيـة العربية بمنطق التكيف السريع مع السطح، لا الاستثمار في العمق، في ظل تداخل معقد بين الاقـتـصـاد والسياسة وثقافة الـعـمـل، وهـــو مــا يـفـسـر اسـتـمـرار الفجوة بين ما يُُطرح نظريًًا حول الـصـحـافـة الــجــديــدة، ومـــا يُُــمـارس فعليًًا داخل غرف الأخبار. التحول الرقمي يكشف عمق الفجوة في الصحافة العربية تحديات مؤسسية وضغوط السوق تعيق تطوير المحتوى داخل غرف الأخبار ࣯ ي رموك- تالا القواسمة وروعة عبيدات � صحافة ال تم تصميم الانفوغراف باستخدام الذكاء الاصطناعي تم تصميم الانفوغراف باستخدام الذكاء الاصطناعي

RkJQdWJsaXNoZXIy MzI3NjE0Mw==